اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
الكرازة السنة السادسة والأربعون26 يناير 2018 - 18 طوبه 1734 ش     العدد كـــ PDFالعدد 3-4

اخر عدد

الله يبحث عن الإنسان

مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث

26 يناير 2018 - 18 طوبه 1734 ش

نجد في هذا السفر أن الله هو الذي يبحث عن الإنسان، وليس الإنسان هو الذي يبحث عن الله. تعلمنا حياة التوبة أن الإنسان ينبغي أن يرجع إلى الله، كما رجع الابن الضال إلى أبيه، إذ خاطب نفسه قائلًا: «أقوم وأرجع إلى أبي» (لو15).

أمّا في سفر يونان، فنجد أن الله هو الذي يفتّش عن الإنسان لكي يتوّبه. نراه يبحث عن الكل، يجول يطلب النفوس التي له..

هو بذاته يبحث عن النفوس الموجودة في السفينة ليخلصها. وهو بذاته يبحث عن النفوس الضالة في نينوى لكي يتوّبها فتخلص. وهو أيضًا يستخدم كل الوسائل لكي يخلص يونان النبي. إن كان الإنسان لا يأتي إليه، يذهب هو إلى الإنسان، لكي يصلحه ويصالحه. كما قال القديس يعقوب السروجي في مناسبة ميلاد المسيح "كانت هناك خصومة بين الله والإنسان. فلما لم يذهب الإنسان لكي يصطلح مع الله، نزل الله لكي يصالح الإنسان".

والله لا يجد أن هذا ضد كرامته، أن يبحث عن الإنسان ويسعى إلى محبته! خالق السماء والأرض يجد لذّته في البحث عن التراب والرماد! ليعطينا فكرة عن حنان الأبوة وعن سماحة القلب الواسع.

وفي البحث عن الإنسان لجأ الله إلى طرق متنوعة عديدة.. منها التخويف، ومنها العتاب، ومنها الاقتناع، ومنها الملاطفة، ومنها العقوبة.. المهم عنده أن يصل إلى قلب الإنسان ويجد له موضعًا فيه.. الله جوعان حبًا إلى هذا الإنسان، يريد أن يستريح في قلبه.

نلاحظ أيضًا أن الله لم يترك الإنسان إلى حريته تركًا كاملًا.. أقصد: لم يتركه إلى حريته، الترك الذي يحمل معنى الإهمال وعدم المبالاة بمصيره، كأنه يقول له "إن جئت، كان بها. وآت لم تأتِ فأنت وشأنك"!! كلّا! بل إن لم تأتِ إليَّ، أنا أسعى إليك وأجرى وراءك، وأبحث عنك، وأمسك بك، وأظل هكذا حتى أرجعك. إن رأس الله تريد أن تستريح في قلب هذا الإنسان المتعب لكي تريحه من تعبه، وتحول تعبه إلى راحة.

ونلاحظ في سفر يونان أن بحث الله عن الإنسان كان بحثًا جديًا، وليس بحثًا رسميًا شكليًا. كان بحثا يحمل معنى الإصرار على إرجاع المحبة بأيّة الطرق، ولو أدّى الآمر آن يضرب هذا الإنسان، لكي يستفيق، فيرجع إلى محبته..

هذا هو التأمل الأول. أمّا الثاني فهو:

لا مانع من استخدام العقوبة

إن الله الحنون لا مانع عنده من استخدام طرق العقوبة والتخويف،أن كانت نافعة لخلاص الإنسان. وفى سفر يونان نجد ثلاثة أمثلة وهي:

1– مثال تهديد من بعيد:

مثلما حدث مع أهل نينوى.. مجرد إنذار. سأحرق المدينة بعد أربعين يومًا.. «بعد أربعين يومًا تنقلب نينوى»... تهديد، مع إعطاء فرصة، وفرصة طويلة.. ولم تنقلب المدينة، لأنها خافت من الغضب الآتي ومن العقوبة المنتظرة فتابت.

2- مثال أخر أشد وهو لطمة من الخارج:

مثلما حدث مع بحارة السفينة وركابها، ومنهم يونان. هنا لم يكن الأمر مجرد تهديد وإنما بدأ التنفيذ العملي إلى حدٍّ ما. أوامر أصدرها الله إلى الزوابع أن تلطم السفينة حتى تكاد تغرق. ولكن نلاحظ أن الله وضع للأمواج حدودًا في الضرب: اضربوا السفينة من الخارج، ولكن لا تدخلي أيتها المياه إلى داخلها. اضربي السفينة، زعزعي السفينة، ولكن لا تَمِسي أحدًا من ركابها بسوء... نلاحظ هنا أن الضربة سبّبت بعض الخسائر، إذ أُضطُر الناس أن «يطرحوا الأمتعة التي في السفينة إلى البحر، ليخفّفوا عنها»...

هذان مثالان من عقوبة الله. أما الثالث فأشد منهما:

3- في النوع الثالث، دخلت العقوبة في جدية خطيرة..

صدر الأمر إلى الحوت أن يبتلع يونان، نظر إلى ذاته، فوجد نفسه في بطن الحوت...

هذه هي الطرق الثلاث في العقوبة، والله يريدكم أن تصلوا إليه بأيّة طريقة تروقكم أو تناسبكم..

لو أدى الأمر، لا مانع لدى الله من أن يهيّج الزوابع ضد سفينة حياتكم، ويضطركم أن تلقوا بعض المهمات العالمية خارج السفينة. من الجائز أن تكون سفينة حياتكم محملة بالبر الذاتي، أو محملة بالعناد، أو بمحبة العالم. وعندما تهزها الموجة تتزعزع. خفّفوا سفينتكم أيها الإخوة. ربما سمح الله أن يضرب السفينة لكي نلقي منها حقيبة البر الذاتي، وزكيبة الشهوات، ومقطف العناد... ارموا كل ما يعطلكم، ولا تبقوا داخلكم سوى محبة الله...

إن لم تصلح معك هذه الطريقة، ربما يرسل لك الرب حوتا ليبتلعك! وأنت تصرخ إلى الله وتقول: أنا يا رب لا أحتمل الحوت ولا الزوابع. أقل شيء يوصلني إليك. لتكن يدك عليّ، يدك لا عصاك..

الناس يختلفون في مدى حساسيتهم وفي مدى استجابتهم لصوت الله. منهم من يشير إليه الله من بعيد، مجرد إشارة فيحنّ ويستجيب. منهم من أصابته أقل إصابة أو أقل لطمة، يتذكر خطاياه ويتوب، ويرجع إلى الله قبل أن يتطور الأمر إلى أسوأ. ومن الناس نوع لا يأتي إلّا بالعنف وبالضربة الشديدة...

فلا تُلجِئوا الله إلى استخدام الطرق العنيفة لاجتذابكم. إن استخدم الله معكم العنف، فاعلموا أن ذلك هو لمقابلة العنف الذي فيكم، العنف الذي في قساوة قلوبكم وعدم استجابتها لحنوا الله..

إن أهل نينوى الذين خافوا من بعيد، لم يستخدم الله معهم العنف. وأهل السفينة الذين استطاعت مجرد الأمواج أن تغيّر قلبهم، لم يسمح الله مطلقًا بإغراق سفينتهم. أما يونان الشديد العنف، فلم تكن تصلح له هذه اللمسات البسيطة. لقد كانت الأمواج تضرب السفينة، والسفينة تكاد تنكسر، والأمتعة يلقيها البحارة في البحر. وفي أثناء كل ذلك كان يونان قد «اضطجع ونام نومًا ثقيلًا»!! إنه نوع لا تنفعه العقوبة الخفيفة... في النوم الخفيف يمكن أن تربت على الكتف أو تلمس الوجه فيصحو النائم. أما من نام نومًا ثقيلًا، فيحتاج إلى هزّة عنيفة لتوقظه... أخاف أن تكون قلوبكم من هذا النوع الثقيل... الله يريد أن يوصلكم إليه، فيا ليتكم تستجيبون إلى طرقه الهينة اللينة اللطيفة ولا تلجئوه إلى العنف..

لعل بعضكم يعجب كيف تتفق الطرق العنيفة مع الله ووداعته؟ والجواب بسيط. إن الله يهمه مصيرك الأبدي، أكثر بكثير من حياتك على الأرض. وفي سبيل خلاصك، هو مستعد أن يعمل أي عمل ألهي مهما كان عنيفًا، لكي يرجعك إليه.

ونلاحظ أن عنف الله ممزوج بالرحمة والحنو، لأنه مجرد وسيلة. فعندما أرسل الزوابع والأمواج إلى السفينة، لم يسمح أن تمس أحدًا داخلها. ولما أرسل حوتًا ليبتلع يونان، لم يسمح للحوت أن يضره. هو يضرب أحيانًا، ولكن على قدر احتمال الإنسان، وعلى قدر ما توصل إليه الضربة....

يبقى بعد كل هذا سؤال هام وهو:

ما هي الطريقة التي تصلح لك، فيستخدمها الله لخلاصك؟

كن صريحًا مع نفسك ومع الله. إن كنت لا تأتي إلّا بضربة شديدة تصيبك، قل له "اضرب يا رب كما تشاء، ولا تشفق...المهم أن أصل إليك".. وأن كانت التجارب والضيقات هي التي تقربك إلى الله قل له هكذا: "أعترف لك يا رب أنني إن عشت في راحة، أنساك وأتركك. وأن أحاطت بي الضيقات، أعيد صلتي بك.. يكفى أن تسمح لي برئيس متعب، أو بمشكلة في البيت، أو بمرض، لكي تجدني تحت قدميك. وتجد قلبي معك".

كن صريحًا يا أخي مع الله، وتقبّل كل تدابيره بفرح وشكر. ولكن احترس من أن تقودك طرق الله إلى العكس.. كإنسان يرسل الله له ضيقة نافعة لخلاص نفسه، فيتخذها لهلاكه. يرسل الله له حوتًا ليبتلعه، فبدلًا من أن يصلى في جوف الحوت كما فعل يونان، يتذمر ويضجر ويجدف على الله.. مثل كثيرين نراهم كثيري الشكوى من الله: لماذا فعل الله بي هكذا؟ لماذا يضطهدني ولماذا ينساني؟!

مساكين هؤلاء... إن عصا الله التي يريد بها هدايتهم، يتخذونها للتذمر، ومعالجة الله لهم يقابلونها بالشكوى.. إن أيمانهم ضعيف في عمل الله معهم وفي الثقة بحكمته..

على أيّة حالات الله لا يتضايق من التفاهم معه.

نحن الآن نتذكر صوم نينوى، ونعتبره صوم التوبة. فليتنا نتوب بأيّة طريقة، سواء طريقة أهل نينوى، أو طريقة ركاب السفينة أو طريقة يونان. ليتنا نتضرع إلى الله ونقول له: "خسارة يا رب تعبك معنا هذه السنين كلها، إن ضاع بلا فائدة". أكمل عملك معنا، ولا تضيع الطبخة من أجل مليم فلفل. لقد تعبت في خلقنا وفي رعايتنا وفي فدائنا. فلا يضيع خلاصنا من أجل هذه التوبة، أكمل عملك، ليس فقط بمليم فلفل، بل حتى بمليم شطّة.. نريد أن يكون هناك فرح في السماء بتوبتنا، ولا نعطل أفراح السماء!"



  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx