اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
الكرازة السنة السادسة والأربعون09 نوفمبر 2018 - 30 بابه 1734 ش     العدد كـــ PDFالعدد 43-44

اخر عدد

رَبنــا مَـوْجُـــود - مجلة الكرازة - الجمعة 31  ديسمبر 2004 – العددان 41، 42 - العظة التي أُلقيت في الكاتدرائية مسَاء الأربعاء 22/12/2004

مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث

09 نوفمبر 2018 - 30 بابه 1734 ش

أشكركم جميعًا يا أخوتي وأحبائي. ولست أنا الآن موجودًا معكم، وإنما أنتم في قلبي باستمرار. لقد عشتُ زماني كله في قلوبكم، ومازلت أعيش.. وعندما ذهبت إلى الدير أخذتكم جميعًا في قلبي وفي فكري. من أجلكم أنا هنا، ومن أجلكم أنا أذهب إلى هناك.. أخذتكم في قلبي وفي فكري، أنتم وآلامكم ومشاكلكم، أعرضها على الله، وأعرضها على المسئولين.. وأشكر الله كثيرًا أن بعض هذه المشاكل قد تم حلها، ومازال البعض يحتاج إلى حل.. والذي لا يحلّه الناس، يحلّه الله. ولقد عوّدنا الله أن يكون معنا في كل حين. ونحن نثق به، ونؤمن بعمله، وننتظر الرب...
أنتم تعلمون أنني في كل ضيقة، أذكر ثلاث عبارات: ربنا موجود، وكلّه للخير، ومصيرها تنتهي.
وأريد أن أحدثكم في هذه الليلة عن عبارة (ربنا موجود).
من الناحية اللاهوتية والعقائدية، جميع المؤمنين في العالم كله يؤمنون بأن الله في حياتنا، ومن جهة شعورنا بوجوده وعمله فينا.
(ربنا موجود) تعني ربنا شايف، ربنا سامع، ربنا عارف إيه اللي بيجرى. ربنا ها يتصرف ويعمل، ولا يترك الأمور هكذا..
ربنا موجود في كل مكان، وموجود مع كل أحد، وموجود في كل مناسبة. ونحن تعودنا أن نرى يد الله واضحة تمامًا في حياتنا وفي كل ما نصادفه. رأينا الله في كل وقت يتدخل في شئون حياتنا، وهذا هو إيماننا.
نحن لا نتعامل كثيرًا مع الناس، إنما نتعامل كثيرًا مع الله نفسه.
ربنا موجود كضابط للكل. وهذه الصفة نذكرها كثيرًا في صلواتنا.
ضابط الكل، أي أن الكل تحت يده، الكل في قبضته.. كل الناس في يد الله. صدقوني حتى الشيطان نفسه، وحتى كل قوى الشر، الرب يحكمها بذاته، ويضع لها حدودًا. وإلا – لو كان القوي يأكل الضعيف – ما عاش الناس على الأرض أبدًا، لولا أن الله يتدخل. ويتدخل بقوة.
لقد خلق الله الكون، ولم يتركه. إنما هو يدبر أموره جميعًا..
وأنا باستمرار أقول لكل أحد: أنت لست وحدك. إنما تعيش في الحياة، والله معك. لا يتركك لحظة واحدة ولا طرفة عين.
 (الله موجود) باعتباره الراعي لنا جميعًا..
وهكذا يقول المرتل في المزمور «الرب يرعاني فلا يعوزني شيء. في مراعٍ خضر يربضني، وإلى ماء الراحة يوردني». ويقول أيضًا «إن سرت في وادي ظل الموت، لا أخاف شرًا، لأنك أنت معي» (مز23).
ويقول الرب في سفر حزقيال النبي «أنا أرعى غنمي وأربضها.. وأطلب الضالن وأسترد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح.. وأرعاها بعدل» (حز34: 15، 16). ونحن نثق برعاية الله لنا. نثق به في كل شيء. حتى من جهة عصاه وعكازه، نقول «هما يعزيانني».. نثق في قول السيد المسيح له المجد عن خرافه «لا يخطفها أحد من يدي.. ولا يقدر أحد أن يخطف من يد أبي» (يو10: 28، 29).
وحينما نقول (ربنا موجود) نقصد أنه الحافظ والمعين.
ونحن نرتل دائمًا عبارة المزمور «الرب يحفظك. الرب يحفظك من كل سوء. الرب يحفظ نفسك. الرب يحفظ دخولك وخروجك» (مز121). إنها عبارة يقولها الملاك الحارس لكل إنسان وهو يصلي. أو يقولها المصلي لنفسه، لكي يعزي بها ذاته ويهدّئها، ويُطمئن نفسه.
لأنه هوذا الرب قال لأبينا يعقوب «ها أنا معك، وأحفظك حيثما تذهب، وأردك إلى هذه الأرض» (تك28: 15). هو أيضًا الذي حفظ يونان النبي في بطن الحوت، وحفظ الثلاثة فتية في أتون النار، فما احترقت شعرة واحدة من رؤوسهم (دا3). وحفظ دانيال في جب الأسود، فصار يغني أنشودته المحبوبة «إلهي أرسل ملاكه، فسدّ أفواه الأسود» (دا6: 22).
إننا نؤمن أن الله يحفظنا من الشيطان ومن الخطايا ومن التجارب. لقد حفظ القديس أثناسيوس حيثما ألقي إلى النفي أربع مرات، وحفظ القديس يوحنا الرسول وهو منفي في جزيرة بطمس، وظهر له هناك وأراه رؤي كثيرة. حتى الأطفال يقول عنهم المزمور «حافظ الأطفال هو الرب» (مز116: 6).
إننا نتعب كثيرًا إن نسينا أن الله موجود وهو الحافظ لنا.
وتاريخ الله معنا في الحفظ هو تاريخ طويل لن ننساه.
ياليت كل شخص معنا يجلس إلى نفسه، ويتذكر كم مرة حفظه الله فيها. ويسبح الله قائلًا «باركي يا نفسي الرب، وكل ما في باطني فليبارك اسمه القدوس. باركي يا نفسي الرب ولا تنسي كل حسناته» (مز103: 1، 2).
في عبارة (ربنا موجود)، نتذكر أن الله هو المهتم بالكل.
إنه القائل «تعالوا إلى يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم» (مت11: 28). لذلك يقول الكتاب «ألقِ على الرب همك وهو يعولك» ويقول المزمور «يستجيب لك الرب في يوم شدتك» (مز20: 1).
نعم، إن الله الذي نؤمن به، له صفة جميلة هو (مريح التعابي) لذلك «انتظر الرب. تقوّ وليتشدد قلبك وانتظر الرب» (مز27: 14). إنه الله المهتم بالكل.
إنه يهتم حتى بالحيوان والطير، حتى بالدودة التي تسعى تحت حجر.. هو المعطي للبهائم طعامًا. ولفراخ الغربان التي تدعوه (مز147: 9). حتى طيور السماء التي لا تزرع ولا تحصد، ولا تجمع إلى مخازن «أبوكم السماوي يقوتها» (مت6: 26)... 
إن كان الأمر هكذا، فكم بالأولي يهتم الله بالإنسان!
إن الله يهتم بنا، أكثر مما نهتم نحن بأنفسنا.
ونحن نحيا بهذا الإيمان. إنه يقول «لا أهملك ولا أتركك» (يش1: 5). لذلك فنحن نتكل عليه وعلى وعده القائل «إن نسيت الأم رضيعها لا أنساكم».
وهو يهتم بنا عن طريق ملائكته وحمايتهم لنا.
يقول المزمور في ذلك «يوصي ملائكته بك لكي يحفظوك في كل طرقك. وعلى أيديهم يحملونك لئلا تصطدم بحجر رجلك» (مز91: 11، 12). في صلواتنا اليومية نقول "أحطنا يارب بملائكتك القديسين، لكي نكون بمعسكرهم محفوظين ومُرشَدين". ونؤمن بالملاك الحارس الذي يحرس كل إنسان. ولنا مع الملائكة علاقة دائمة. 
وفي قولنا (الله موجود)، نتذكر حنو الله وعطفه.
إن كان يحنو على الطيور والحشرات، فكم بالأولى على الإنسان. من حنو الله على الإنسان أنه منحه العقل والروح والإرادة. وأعطاه الضمير وزوّده بالوحي الإلهي، ووعده بالحياة الأبدية. أعطاه البركة، والسلطة، والحفظ، وأعطاه ما لم يطلب وفوق ما يطلب. وهو – إن بكى – يمسح الله كل دمعة من عينيه..
إن كان الله هكذا في حنوه، فلماذا يسمح إذن بالتجارب؟
إن يسمح بالتجارب لفائدتها. ويقول القديس يعقوب الرسول في ذلك «أحسبوه كل فرح يا أخوتي، حينما تقعون في تجارب متنوعة» (يع1: 2). وكل تجربة تمر علينا، لابد أن نعرف ما هي أسبابها؟ وكيف نعالجها؟
+ ومن فوائد التجارب إنها تجمعنا معًا بقلب واحد، نتعاطف مع بعضنا البعض. وأنا في العشرة أيام الماضية في الدير التقيت مع أكثر من 1800 من الآباء الكهنة من كافة الإيبارشيات، ومع 63 من الآباء المطارنة والأساقفة، غير الذين اتصلوا بي تليفونيًا. وهكذا تجمعنا التجربة معًا. وبفكر واحد. ونرى ما هي مشاكلنا، ونعمل على حلها بروح واحد. وفي اجتماعنا هذا حضر معنا 45 من الآباء المطارنة والأساقفة، وحوالى 240 من الآباء الكهنة.
+ ومن ضمن فوائد التجارب، إنه حينما تحل بنا تجربة، نحاسب أنفسنا من الداخل، ونصطلح مع الله إن كنا بعيدين عنه.
وهكذا في التجارب، نرى أن الناس في أصوامهم وصلواتهم وفي تقدمهم للتناول من الأسرار المقدسة، كانوا يصطلحون مع الله، لكي يطلبوا من الله في غير خجل. وذلك حسب قول الرب: «ارجعوا إليّ فأرجع إليكم» (ملا3: 7).
+ ومن فوائد التجارب، أنها تكشف لنا الأمور، وتعطينا رؤية أوضح. وكما يقول الشاعر:
جزي الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي
+ ومن فوائد التجارب أيضًا، أننا نرى يد الله وهي تعمل معنا ومع غيرنا. ففي التجارب إذن خبرة روحية نرى بها كيف أن الله موجود.
نحن يا إخوتي نتعرف عمليًا على الله وعمله، ليس فقط من كتب اللاهوت أو كتب العقيدة، إنما في مجرى الحياة كلها.
نحن لا نؤمن فقط بالله الذي تتحدث عنه الكتب، إنما نؤمن بالأكثر بالله الذي نراه في الحياة، كأنه أمامنا تمامًا. ونري كيف يعمل؟ ونعجب بقوته وبحكمته. فمبارك هو الله في كل عمله معنا..
+ بالتجارب إذن نكتسب خبرات روحية مع الله والأحداث. إنها مدرسة نسميها مدرسة التجارب، مدرسة روحية. وكل شخص يمر في التجارب، يزداد معرفة ويزداد حكمة، ويزداد خبرة. ويدخل في تدريب: كيف يتصرف مع الأمور، ويري كيف تُحَلّ أمامه.
+ وفي التجارب نرى الآية التي تقول «غير المستطاع عند الناس، مستطاع عند الله. لأن كل شئ مستطاع عند الله» (مر10: 27).
+ وعندما نتأمل التجارب، نراها كلها للخير. كما يقول الكتاب: «كل الأشياء تعمل معًا للخير للذين يحبون الله» (رو8: 28).
+ والتجربة يا إخوتي ليست لونًا من التخلي فمعها المعونة. إن التجربة تكون دائمًا في حدود احتمالنا، ويكون معها المنفذ، كما يقول الكتاب «لكن الله أمين، الذي يدعوكم تجربون فوق ما تستطيعون. بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا» (1كو10: 13).
ونحن دائمًا نقابل التجربة بسلام قلبي.. الأمر يحتاج طبعًا إلى حكمة في التصرف، مع وجود السلام في القلب.
نحاول الوصول إلى حلَ. وحينما تصعب الحلول أمامنا، نحيل التجربة إلى الله. أو نضع الله بيننا وبين التجربة، فنرى الله ولا نرى التجربة. ونشعر أن الله موجود معنا. نترك مشاكلنا بين يديه، ونؤمن بيده العطوفة المملوءة حبًا.
+ لذلك نحن نطلب من الله أن يتولى باقي الأمور. ولنا أمل في حلها.. 



  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx