اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
الكرازة السنة السادسة والأربعون21 ديسمبر 2018 - 12 كيهك 1734 ش     العدد كـــ PDFالعدد 49-50

اخر عدد

البِرّ الذاتي وَتبرير الذات - الجمعة 11 ديسمبر 2009 العددان 27، 28

مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث

21 ديسمبر 2018 - 12 كيهك 1734 ش

البر الذاتي:

البر الذاتي هو أن يرى الإنسان أنه بار، إمّا بصفة عامة، أو أنه بار في نقاط معينة. وقد يصل به الأمر أن يتباهى ببره حتى أمام الله نفسه. كما حدث لذلك الفريسي الذي وقف أمام الله في الهيكل وقال: «أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّار.ِ أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ» (لو18: 11-12).

أمّا تبرير الذات:

فهو محاولة الشخص أن يبرّر ذاته فيما يقع فيه من أخطاء. وهو قد يبرّر ذاته أمام الناس، أو أمام الله، محاولًا إيجاد أعذار لخطيته، أو إلصاق الخطية لغيره، أو بتقديم سبب لما وقع فيه من خطأ. أو أن يبرّر ذاته بالكذب أو الإنكار. أو يحاول أن يتخلص من مسئولية خطيئته بأيّة الطرق.

+        +        +

وتبرير الذات خطية قديمة، منذ أيام الإنسان الأول.

+ فنرى مثلًا أن أبانا آدم لما سأله الله هل أكلت من الشجرة التي أوصيتك أن لا تأكل منها، أجاب وقال: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ». وهكذا أراد أن يلصق تبعة خطيته على المرأة. ولما سأل الله حواء «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ» (تك3: 11-13). وهكذا كلٌّ منهما أراد أن يُلقي تبعة الخطية على غيره، وكأن هذا عذر! ولكن الله لم يقبل ذلك منهما، وعاقب آدم وعاقب حواء.

+ وإبراهيم أبو الآباء حينما ذهب إلى جَرار ومعه امرأته سارة وكانت جميلة جدًا. وقد تعاهد معها أبونا إبراهيم قائلًا في كل مكان أذهب إليه قولي إنكِ أختي، وهكذا قال إبراهيم. والذي حدث أن أبيمالك ملك جرار أخذ سارة إليه، وإن كان لم يخطئ إليها. فأنذره الله أن يرد امرأة الرجل إليه. ولما قال أبيمالك لإبراهيم «ماذا فعلت بنا وبماذا قد اخطأت إليك، حتى جلبت عليّ وعلى مملكتي خطية عظيمة؟» ألتمس ابراهيم عذرًا وقال «إني قلت ليس في هذا الموضوع مخافة الله البتة، فيقتلوني لأجل امرأتي. وبالحقيقة أيضًا هى أختي ابنة أبي غير أنها ليست ابنة أمي فصارت لي زوجة» (تك20: 1-12).

ولم يكن تبرير إبراهيم لموقفه مقبولًا. فكيف يمكن أن يضحّي بامرأته لكى ينجو من الموت؟! ثم حينما قال عن امرأته أنها أخته، إنما تحدث بأنصاف الحقائق. وإن كان يعرف أن هذه المنطقة سكانها أشرار، فلماذا نزل إليها وعرّض نفسه وامرأته لهذه التجربة؟! وإن كان الله قد أنقذهما فليس معنى هذا أن إبراهيم لم يخطئ، وقد وبخه ملك جرار الأممي على هذا الخطأ.

+ ومن أمثلة الذي يحاول أن يخرج من خطيئته أو يبررها بالكذب موقف أمنا سارة حينما وعد الله بأن يكون لها نسل، وكان إبراهيم وسارة شيخين متقدمين في الأيام. فضحكت سارة في باطنها قائلة: «أبعد فنائي يكون لي تنعم وسيدي قد شاخ»، فلما سأل الرب لماذا ضحكت سارة؟ أنكرت سارة قائلة لم أضحك لأنها خافت. فقال لها الرب: لا بل ضحكتِ (تك18: 10-15).

+ ومن الذين أرادوا أيضًا إخفاء خطيتهم بالكذب إخوة يوسف الذين باعوه كعبد إلى الإسماعيليين، فأرادوا إخفاء خطيتهم عن أبيهم وقالوا إن وحشًا رديئًا قد أكله (تك37: 31-33).

+ ومن الذين حاولوا تبرير أنفسهم، إيليا النبي العظيم حينما هرب لأن الملكة إيزابيل هددته بالقتل. فلما سأله الله «مالك ههنا يا إيليا؟» أجاب «غِرت غيرة للرب إله الجنود، لأن بني إسرائيل قد تركوا عهدك، ونقضوا مذابحك وقتلوا أنبياءك بالسيف. وبقيت أنا وحدي وهم يطلبون نفسي ليأخذوها» (1مل19: 13، 14). ولم يقبل الرب منه هذا التبرير. وقال له امسح إليشع بن شفاط نبيًا عوضًا عنك..

+ وأيضًا يونان النبي حينما هرب من المناداة على نينوى بالهلاك ثم لما رجع وأنذرهم فتابوا وقبلهم الله وسامحهم ورفع غضبه عنهم، حينئذ اغتاظ يونان وبرر غيظه بقوله للرب «علمت أنك إله رؤوف رحيم، بطيء الغضب وكثير الرحمة.. فالآن خذ نفسي مني، لأن موتي خير من حياتي» (يون 4). كان يونان يريد أن كلمته لا تسقط إلى الأرض، فاغتاظ لما غفر الله لأهل نينوى بعد إنذارهم بالهلاك وكان تبريره لهربه أن الله رحيم وسوف يغفر لهم. طبعًا كلامه غير مقبول ولا معقول في تبريره لنفسه.

+ مثال آخر لتبرير الذات غير المعقول، هو صاحب الوزنة الواحدة الذي لم يتاجر بها بل أخفاها في الأرض. فلما سأله السيد عن وزنته قال له «عرفت يا سيد أنك إنسان قاس تحصد مَن حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم تبذر، فخفت. ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض» (مت25: 24-26). وهذا الشخص حاول أن يبرر ذاته ولو بإهانته لسيده. ولم يكن عذره مقبولًا بالطبع، بل عاقبه السيد عقابًا شديدًا.

أمّا الذين رفضوا تبرير الذات مهما كانت الصعوبات.

+ فمن أمثلتهم: أبونا إبراهيم الذي في طاعته لله ذهب ليقدم ابنه محرقة، مع أنه وحيده والذي تحبه نفسه، والذي تلقّى الوعود من جهته. ومع ذلك رفع السكين ليذبحه لولا أن الله أنقذه (تك22).

+ ومن الأمثلة البارزة أيضًا داود النبي في مواقف ثلاثة: لما كان وهو فتى صغير يرعى الغنم وجاء أسد مع دب وأخذ شاةً من القطيع. فلم يبالِ داود بقوتهما وإنما خرج وراء الأسد وقتله، وأنقذ الشاة من فمه. وكان يمكن أن يعتذر ويهرب من الأسد والدب لكنه لم يفعل.

والموقف الثاني وقوفه ضد جليات الحبار على الرغم من قوة ذلك الرجل وأسلحته ومع ذلك تقدم لكي يقتل ذلك الجبار. ولم يعتذر بصغر سنه، ولا بعدم تكافؤ أسلحة الحرب بينهما. فجليات طوله ستة أذرع وشبر وله خوذة ودرع وقناة رمحه كنول النساجين، وحامل ترس يمشي قدامه (1صم17: 4-7). بينما داود لا يملك سوى حصوات في جرابه ومقلاعه بيده، ومع ذلك تقدم لمقاتلة ذلك الجبار وقال له «أنت تأتي إلىّ بسيف وبرمح وبترس، وأنا آتي إليك باسم رب الجنود» (1صم17: 45).

والموقف الثالث أن داود لما اضطهده شاول اضطهادًا عظيمًا جدًا، ثم وقع شاول في يديه، وكان بإمكانه أن يقتله، وقد قال له رجاله إن الرب قد دفع عدوك في يدك. وكانت أمام داود مبررات كثيرة منها أن شاول رجل شرير، وأيضًا هو إنسان مرفوض من الله، كما أنه حاول مرارًا أن يقتله. ولكن داود لم يقبل أن ينتقم من شاول وقال لرجاله «حاشا لي من قبل الرب أن أعمل هذا الأمر بسيدي بمسيح الرب فأمد يدي إليه لأنه مسيح الرب هو» (1صم24: 6).

+ أيضًا من الذين رفضوا التبرير والأعذار، حاملوا المفلوج الذين أرادوا أن يقدموه للسيد المسيح ليشفيه، وإذ لم يستطيعوا أن يصلوا إليه بسبب الزحام الشديد، فإنهم لم يعتذروا لذلك بل نقبوا السقف ودلّوه لكى يشفيه الرب (مر2: 1-5).

+        +        +

إن الذي يبرر ذاته تحيط به خطايا كثيرة منها:

+ الكبرياء والمجد الباطل، إذ يريد أن يبدو أمام الناس بارًا. كذلك وقوعه في المكابرة والمجادلة مع كل من يظهر له نقائصه. بينما يقول الكتاب «افعلوا كل شيء بلا دمدمة ولا مجادلة». والذي يبرر ذاته لا يكون سهلًا في التفاهم لأنه إن لم يستسلم الطرف الآخر لفكره فإنه لا يقبل أي تفاهم. والذي يبرر ذاته تكون نفسه جميلة في عينيه، ويريد أن تكون كذلك أمام الناس. والذي يبرر ذاته من الصعب أن يقول قد أخطأت.

+ وتبرير الذات هو ضد التوبة وضد التواضع. إذ يريد الشخص تغطية خطيته دون أن يتوب عنها.. وهنا نذكر أن البابا ثاؤفيلس البطريرك الـ23 ذهب مرة ليزور المتوحدين في جبل نتريا. وسأل أب الجبل "ما الذي أتقنتموه أيها الآباء في حياتكم الرهبانية؟".. فأجابه أب الجبل قائلًا: "صدقني يا أبي لا يوجد أفضل من الذي يأتي بالملامة على نفسه في كل شيء"..

والقديس مكاريوس الكبير قال: "احكم يا أخي على نفسك قبل أن يحكموا عليك". ولكن من يبرر ذاته تقوده عزة نفسه والكرامة والبر الذاتي. ولا يكون لضميره سلطان عليه. وبالتالي لا ينال المغفرة.

شعوره أنه لم يخطئ ينافي قول القديس يوحنا الرسول «إن قلنا إننا لم نخطئ نضل أنفسنا وليس الحق فينا» (1يو1: 8، 9). وشعور الشخص بأنه لم يخطئ يدل على أن مقاييسه الروحية غير حساسة، وكذلك موازينه تحتاج إلى دقة. وباب الأعذار واسع جدًا، ولكنه يهز المبادئ والقيم.

وليس المهم إثبات براءتنا على الأرض. فالقديس الأنبا أنطونيوس الكبير يقول: "إن نسينا خطايانا، يذكرها لنا الله. وإن ذكرنا خطايانا ينساها لنا الله". كما يقول "إن دِنّا أنفسنا رضي الديّان عنّا".




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx