اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
الكرازة السنة السادسة والأربعون21 ديسمبر 2018 - 12 كيهك 1734 ش     العدد كـــ PDFالعدد 49-50

اخر عدد

تلذذ بالرب

قداسة البابا تواضروس الثانى

21 ديسمبر 2018 - 12 كيهك 1734 ش

»تلذّذ بالرب فيعطيك سؤل قلبك»... في الأسبوع الماضي، مع بداية التأمل في هذه الكلمات الجميلة، أخبرتكم عن ثلاث وسائل ممكن أن نتلذذ بالرب من خلالها في حياتنا: الصلاة والتسبيح، الكتاب المقدس، القداس الإلهي... واليوم أريد أن أفتح أمامكم مجال هذه الآية العميقة جدًا، ولكي يكون كلامنا واضحًا ومفيدًا، فسنأخذ بعض الأمثلة من الكتاب المقدس عاشت هذا التلذذ، بحيث يكونون قدوة لنا.

نقطة البداية في أن نتلذذ بالرب أن يكون دائمًا اعتمادك عليه لا على شيء آخر، لا على قدرتك ولا إمكانياتك ولا وضعك ولا مسؤلياتك أو ما في يدك أو جيبك أو عقلك أو المجتمع الذي تعيش فيه.. اعتمادك الأول والأخير هو على شخص الله. وأغرب إنسان ممكن أن يساعدنا في ذلك هو إبراهيم أبو الآباء، نقرأ حكايته في سفر التكوين أصحاح 12، وكيف كانت كل الدلائل تشير إلى استحالة تحقيق شيء عنده، فلا يمكن أن يكون عنده نسل، وكان من الممكن أن هذا يكون دافعًا قويًا لكي تبرد علاقته بالله ولا يكون عنده هذا التلذذ بالله، كان شيخًا متقدم الأيام وليس لديه أبناء، ولم يكن يعلم بالمكان الذي سوف يذهب إليه، ولم يكن يعلم ماذا سوف يحدث له، ولكنه كان قد أخذ وعدًا أن نسله سيصير مثل رمل البحر ومثل نجوم السماء.. كيف؟ لا يعرف! إبراهيم أبو الآباء وضع كل اتكاله على شخص الله.. ولا تنسوا أنه كان إنسانًا مثلنا، بمثل مشاعرنا وعواطفنا ورؤيتنا واتجاهاتنا، لم يكن يعرف ماذا سوف يحدث ولكن كان عنده الثقة الكاملة في الله.

نقطة البداية يا احبائي لكي يتلذذ الانسان بالرب أن يضع كل يقينه ورجاءه وثقته في شخص الله، تقول الآية «سلِّمْ للرَّبِّ طريقَكَ واتَّكِلْ علَيهِ وهو يُجري» (مز37: 6)... اخرج أنت أيها الإنسان خارج القصة، فيكون كل شيء ممكنًا لدى الله، «توَكَّلْ علَى الرَّبِّ بكُلِّ قَلبِكَ، وعلَى فهمِكَ لا تعتَمِدْ. في كُلِّ طُرُقِكَ اعرِفهُ، وهو يُقَوِّمُ سُبُلكَ» (أم3: 5-6).

صحيح أن الله أعطانا عقولًا لنفكر ونخطط، ولكن اترك كل ما تفكر فيه في يد الله... نقطة البداية هي الاعتماد على يد الله تماما وطرح قدراتنا خلف ظهورنا، هذا إبراهيم.

نأخذ مثلًا آخر وهو أيوب.. رجل شيخ وقور، ربّى أولاده تربية حسنة، معروف في مجتمعه.. ولكنه تعرض لتجربة قاسية، والتجربة فقد فيها كل شيء، أي رجع إلى نقطة الصفر، جاء إليه أصدقاؤه الثلاثة لكي يشرحوا له ما حدث، ولكن كل تفسيراتهم كان بعيدة وغير مقبولة... ولكن أيوب نسي أن التجربة التي دخل فيها هي الوسيلة التي سوف يرفعه بها الله... الصعوبات التي تواجها في طريقك غالبًا ما يستخدمها الله لكي يعيد تشكيلنا مرة أخرى، لكي يجعلنا أفضل. فعندما تتعرض لصعوبات أو متاعب لا تفقد الرجاء، بل تلذذ بالرب وقل: أنا واثق يا رب أن كل ما تعمله هو للخير... هكذا عندما بدأ أيوب يفهم قصد الله من التجربة وبدأ يذوق حلاوة الله، قال «قد عَلِمتُ أنَّكَ تستَطيعُ كُلَّ شَيءٍ، ولا يَعسُرُ علَيكَ أمرٌ» (أي42: 2). ولمّا تدخّل الرب في المشكلة، قال أيوب: «بسَمعِ الأُذُنِ قد سمِعتُ عنكَ» في البداية كان كل اعتمادي على أذني، كل معرفتي بك يا رب من أذني، ولكن معرفتي ارتقت إلى درجة أعلى «والآنَ رأتكَ عَيني» (أي42: 5)..

لأجل ذلك الخطوة الأولى للإنسان لكي يتلذذ بالله هي أن يضع كل الثقة فيه وهو يقود حياتنا. المهم أن يكون الشخص أمينًا في حياته وأمام الله.. وإن اعترضت طريقك صعوبات ألقِ كل حمولك عليه، واعلم أن هذه الصعوبات سوف يستخدمها الله لكيما يرفعك.

النموذج الثالث سليمان الحكيم، ظهر له الله وسأله: "سليمان ماذا أعطيك؟"، تخيل لو ظهر لك الله وسألك ماذا تريد؟، لم يكن هذا السؤال فقط ليحقق له الله طلبته، ولكنه كان فيه اختبارًا، ماذا سوف يطلب: إيمان، صحة، جبروت، صيت...؟ كل هذه أشياء جملية وليست سيئة، ولكن سليمان كان حكيمًا بالحقيقة، فقد طلب أن يعطيه الله حكمة ومعرفة، فأعطاها له الله، وزاده مالًا وسلطانًا وأشياء كثيرة.. يكفي أن صار اسمه سليمان الحكيم في كل التاريخ البشري. الله يحبك في كل الظروف، وهو صاحب كل شيء، وعنده أمور ينتظر مَنْ يطلبها، والله عطاياه كثيرة في كل صباح، المهم أن تتلذذ ويكون هو كل حياتك والشهوة الموجودة في قلبك.

داود النبي وقف في يوم بكل العظمة التي لديه وقال: «أحبك يا رب يا قوتي» (مز18)، ليس دراستي ولا موهبتي ولا موسيقاي ولا سلطاني كملك أو حاكم أو قاضٍ أو سلطان... هذا الحب شكل من أشكال التلذذ.

هناك 3 مفاتيح تتلذذ بها كوسائل للتلذذ بالرب:

1- الوقت:

نحن نحيا في عالم سريع، والعمر ينقضي بشرعة، لذلك احرص أن تسرق وقتًا لك مع الله بأي صورة من الصور. هل تعطي وقتًا روحيًا لله؟ هل تلتزم بهذا؟ في علوم الكيمياء هنام ما يُسمّى "وقت التفاعل"، في علاقتك مع الله تحتاح مثا هذا الوقت. في المزمور الأول يقول المرنل عن الصديق إنه يكون كالشجرة المغروسة على مجاري المياه، تخيل كم من الوقت تحتاجه الشجرة المغروسة لتعمّق جذورها في الأرض ولتخرج ثمرها في حينه؟ من الضربات القاسية في هذا الزمان أن الأجهزة الحديثة تسرق منا وقتنا، لذا من المهم استخدام مثل هذه الأجهزة بحكمة، فعنصر الوقت والتوازن فيه من أهم ما يكون. قد نختلف في الشكل أو اللغة أو القدرة... ولكن نتشارك في الوقت، كلنا نأخذ 24 ساعة في اليوم، ولذلك تلزم الحكمة في كيفية استغلال الوقت.

2- التوبة:

وهي عملية إفراغ القلب من أي خطية. وفي نهاية السنة، من الطبيعي أن الإنسان يعمل كشف حساب المكسب والخسارة فيحياته، هل يوجد شيء أغلى من حياتك؟ سوف تقف أمام الله وتقدم حساب وكالتك، ولذلك التوبة هي أحد مفاتيح وجود اللذة مع الله، لأنه لا شركة بين النور والظلمة. الخطية تأتي بالحزن والكآبة والتنهد والخوف والخجل، بينما التوبة ترفع كل هذة المشاعر، وتفتح الأبواب أمامك كي ما تتلذذ بالله. والتوبة لا تأتي إلّا بمشاعر حقيقية عند الإنسان، قمن يرى نفسه صالحًا، كيف سيقدم توبة؟ وكيف سيبرّر نفسك قدام الله؟ نحن نصلي كل يوم ونقول: "نشكرك لأنك سترتنا وأعنتنا وحفظتنا...". الإنسان لا يعرف أن يتلذذ بالله طالما هو في الخطية، ويشتكي الكثيرون من غياب الإحساس بوجود الله، فنقول لهم: توبوا لتشعروا بوجود الله.

3- استعمال المحبة:

أيها الحبيب، لن تشعر ولن تتلذذ بالله ما لم تمارس المحبة مع كل أحد. الوصية أن تحب الرب إلهك من كل قلبك من كل نفسك من كل فكرك من كل قوتك، وتحب قريبك كنفسك، والقريب هنا هو القرابة الإنسانية.. فإذا كان هناك إنسان ليس عنده طاقة المحبة، فكيف سيتلذذ بالله؟ تصور أن عندك زجاجة مقفولة وتضعها تحت الصنبور لتملأها ماءً، هل يمكن أن تمتلئ؟ افتح قلبك لكي ما تمتلئ بمحبة الله فتستطيع أن تحب كل أحد. وكلما تستاء من أحد، انظر إلى الصليب وانظر إلى المسيح الذي أحب كل أحد. عش في أجواء المحبة، فالإنسان بدون محبة الله في قلبه لا يستطيع أن يتلذذ بالله.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx