اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
الكرازة السنة السابعة والأربعون22 فبراير 2019 - 15 امشير 1735 ش     العدد كـــ PDFالعدد 7-8

اخر عدد

انطلاق الروح

القس ابراهيم عازر

22 فبراير 2019 - 15 امشير 1735 ش

لا نعرف كم وكيف عاش آدم حياته (قبل السقوط)، ولكن المؤكد أنه عاش حياة ذات خبرات فردوسية. لقد خُلق بحسب الصورة والمثال. عاش الإنسان مع الله، في تجانس، منسجمًا مع الخليقة العاقلة (ذاته وحواء)، وأيضًا مع الخليقة الغير الناطقة. كان الله هو الأساس، الهدف والغاية، البداية والنهاية؛ والخليقة وسيلة، يتسلط عليها الإنسان ويخضعها. الانسان "تاج الخليقة"، والمخلوقات خاضعة له، لتحقيق رسالته. لقد كان الإنسان مسكنًا لله، يملك على حياته ويقود خطواته. وكان الوجود الدائم في محضر الله هو سر روحانية الإنسان. فالإنسان الروحي ليس هو ذلك الإنسان الذي بلا جسد، أو الذي يحيا متجاهلا جسده واحتياجاته، وكأن هناك انفصالًا بين روح الإنسان وجسده. الحقيقة أنه لا يمكن أن نفصل بين الروح والجسد في الكيان الواحد، فإمّا أن ينضبط الكيان الإنساني كله روحًا وجسدًا تحت قيادة روح الله (الإنسان الروحي)، وإمّا أن يتلوث وينفلت، فتتدنس الروح والجسد معًا (دنس النفس والروح والجسد) ويصير الإنسان خاضعًا للخطية. فلا يوجد في المفهوم المسيحي ذلك الفكر الغنوسي الفلسفي الذي وضع الجسد مقابلًا ضد الروح، وكأن الإنسان روح مجردة حُبِست في جسد أرضي. وعندما يتحدث كتابنا المقدس وآباؤنا عن ضبط الجسد، فهم لا يتحدثون عن الجسد (flesh) ولكن الكيان كله في اتجاه الجسدي. فبولس الرسول يضبط جسده أي الكيان كله روحًا وجسدًا. والإنسان الروحي هو ذلك الذي كيانه -جسدًا وروحًا- تحت قيادة روح الله. فالصراع ليس صراعًا بين الجسد والروح في الإنسان، ولكنه صراع طبائع (جسدية وروحية)، صراع اتجاهات (روحي وجسدي). فالإنسان كيان واحد، يعمل في اتجاه روحي بطبيعة جديدة تحت قيادة روح الله، أو اتجاه جسدي بالطبيعة القديمة فيسلك بالجسد ويصير إنسانًا جسدانيًا.

يأتي الصوم الكبير بأجوائه وصلواته وقراءاته، كأحد المحطات الهامة في طريق حياة الروح. هو يضعنا على الطريق ويرسم لنا أبعاده، كما ينبهنا لمعوِّقاته ومعطّلاته. فـ"أحد الاستعداد" هو تذوق لتلك الخبرة الفردوسية، في أبعادها الثلاثية: الصوم والصلاة والصدقة، حينما كان الإنسان يحيا في حضرة الله (الصلاة)، يرى في الآخر شخصًا يحبه وليس شئيًا يستهلكه (العطاء)، والذات يضبطها ويملك عليها (الصوم).

ثم يأتي الأحد الأول ليعلن عن اتجاه الحياة الأصيل، الحياة الفوقية السمائية. فلا يمكن أن تنطلق الروح، والكيان يحيا في التراب ومشغول بالماديات، إنها ملهاة تصرف الانسان عن حقيقية كيانه الروحي الأصيل. ولأن الحياة في الروح تثير قوى الشر، فالتجربة قادمة، وحروب العدو منذ القديم لا تتغير في جوهرها، ولكن تحت اشكال مختلفة وبقناعات واهية. والتعثُّر والسقوط وارد، ولكن هذا ليس معناه خسارة للبنوة "الابن الضال"، فمهما كان طول زمان الخطية "المفلوج"، أو عمق جذورها "السامرية"، فالتوبة تعيدنا إلى حضن الله، وتنير البصيرة لا البصر فقط (المولود أعمى). ولكن ما نحتاجه حقًا هو أن يملك الرب على أورشليمنا الداخلية "الشعانين". عندها نصير روحيين، إذ نموت مع المسيح، ونسمّر إنساننا العتيق "الصليب"، فنُحسَب مستحقين للحياة الجديدة "القيامة"، وشركة السمائيين "سبت الفرح".

والكنيسة التي تحيا بالروح القدس هي ينبوع للروحانية ومصدر لحرية الروح. فالمولود من الله ثانيًة (المعمودية)، يحصل على طبيعة جديدة يثبّتنا فيها روح الله القدوس (الميرون). غذاؤها وشبعها الله وحده (سر الإفخارستيا). وبالجهاد والتوبة تنمو وتسمو وتتجلّى حتى نصل لتلك الصوره عينها (صورة المسيح). فيشتمّ الإنسان نسيم الحرية، ورائحة الفرح الروحي، منتظرًا الرجاء المبارك، ومجيء ربنا لينطلق بنا نحو حياة أبدية مجيدة روحية، لا دنس فيها ولا غضن أو أي شيء له علاقة بالحياة الجسدانية وشهواتها.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx