اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
الكرازة السنة السابعة والأربعون08 مارس 2019 - 29 امشير 1735 ش     العدد كـــ PDFالعدد 9-10

اخر عدد

الأمانة مقياس الدينونة

قداسة البابا تواضروس الثانى

08 مارس 2019 - 29 امشير 1735 ش

أحد الأسئلة التي تشغل البشر في كله مكان وزمان هو: حين نقف أمام الله الديان العادل، كيف سيكون مقياس الدينونة؟

مقياس الدينونة يتوقف على الإنسان، ويمكن أن نختصره في كلمة واحدة هي الأمانة.

يقول لنا الله: «كُنْ أمينًا إلَى الموتِ فسأُعطيكَ إكليلَ الحياةِ» (رؤ2: 10).. وهذه الآية نصفها على الأرض ونصفها الآخر في السماء، وتأخذ قوتها من قائلها، السيد المسيح.

«كُنْ أمينًا إلَى الموتِ»، كن أمينًا على الأرض من صغرك، منذ أن وعيت ثم نضجت وحتى نهاية العمر؛ هذا هو النصف الأول من الآية. أمّا النصف الثاني: «فسأُعطيكَ إكليلَ الحياةِ»، تخيل نفسك واقفًا والسيد المسيح يعطيك بيده إكليل الحياة.

«كُنْ أمينًا» هو أمر موجّه للجميع، فيه التزام وتوجيه واستمرارية قوة قائلها إلى نهاية الزمن. وأريد أن أكلمكم في في ثلاث دوائر من دوائر الأمانة: الأمانة الشخصية، الأمانة الأسرية، الأمانة المجتمعية.

الأمانة الشخصية:

أي مسئوليتك عن نفسك، وسأقتصر هنا على النواحي الروحية في حياة الإنسان.

+ الأمانة الشخصية هي التوبة، هي تنقية قلبك... وها نحن مقبلون على الصوم الكبير، والصوم فترة توبة ونداء من أجل التوبة. أمانتك الشخصية تعني أن تملك قلبًا تائبًا، كما نصلي في المزمور: «قلبًا نقيًا اخلق فيّ يا الله، وروحًا مستقيمًا جدّده في أحشائي»، وهذه العبارة نقولها كل يوم، وفي اليوم الواحد أكثر من مرة، وتُقال بضمير المفرد.

+ دائرة الأمانة الشخصية فيها أيضًا -بجانب التوبة- صلواتك، وقراءتك المستمرة في الإنجيل، فكلنا نعرف الآية الجميلة «ليس بالخُبزِ وحدَهُ يَحيا الإنسانُ، بل بكُلِّ كلِمَةٍ تخرُجُ مِنْ فمِ اللهِ» (مت4:4)، فهل أنت أمين في كل كلمة تخرج من فم الله أن أمين تستودعها في قلبك؟ أم أن قلبك خالٍ، أو فيه أشياء غريبة؟

+ أيضًا أمانتك الشخصية في ارتباطك بالأسرار المقدسة، هل تمارس الأسرار بوعي أم مجرد عادة؟ هل أنت أمين في الاستعداد للتناول والتقدم له؟ ها هو الصوم على الأبواب، وهي مناسبة لتبدأ في السلوك بأمانة في هذه كلها.

وهناك أمانتك الشخصية في علاقتك بالسماء.. لاحظ أن المسيح قال لنا «أنا أمضي لأُعِدَّ لكُمْ مَكانًا» (يو14: 2)، وجعل لكل واحد منّا مكانًا باسمه في السماء، لكن المهم أم يحافظ الإنسان على مكانه هذا.

+ نوع آخر من الأمانة الشخصية هو أمانتك في جسدك، فمن يأكل كثيرًا ويتعرض لأمراض السمنة هو إنسان غير أمين في جسده. لقد أعطانا الله الجسد لكي ما نحفظه لا لنتلفه. أو هناك من يمارس بعض العادات الشريرة، وهذه عدم أمانة نحو الجسد. وفي هذا الإطار هماك أمانتك نحو حواسك (النظر، السمع، التذوق...)، ما الذي تراه عيناك؟ ما الذي تسمعه أذناك؟ ما الذي يقوله لسانك؟ الإنجيل يقول لنا: «لأنَّكَ بكلامِكَ تتَبَرَّرُ وبكلامِكَ تُدانُ» (مت12: 37)، حتى الكلمة التي تخرج منّا نُحاسَب عنها. ويقول موضع آخر: «سِراجُ الجَسَدِ هو العَينُ، فمَتَى كانتْ عَينُكَ بَسيطَةً فجَسَدُكَ كُلُّهُ يكونُ نَيِّرًا، ومَتَى كانتْ شِرّيرَةً فجَسَدُكَ يكونُ مُظلِمًا» (لو11: 34). وفي سفر الرؤيا تتكرّر كثيرًا عبارة: «مَنْ لهُ أُذُنٌ فليَسمَعْ»، فهناك من يدخل الكلام من إحدى آذانهم ويخرج من الأخرى، وفي بعض الأحيان نجد من يسمعون لما يوافق هواهم فقط.

الأمانة الأسرية

+ كل زوج وكل زوجة في يوم الإكليل، يتسلم أحدهما الآخر على سبيل الأمانة، أي يحتفظ أحدهما بالآخر ولا يفقده. والأمانة تقتضي عوامل كثيرة: كيف يحافظ كل طرف على الطرف الآخر؟ كيف يساعده ويسانده؟ لأن هذه الأمانة بدأت بموافقة الطرفين. سر الزواج عبارة عن ثلاثة أطراف: هو وهي والمسيح، لأن «اِثنانِ خَيرٌ مِنْ واحِدٍ... والخَيطُ المَثلوثُ لا يَنقَطِعُ سريعًا» (الجامِعَةِ 4: 9، 12).

+ وهناك الأمانة في تربية الأولاد، ونتذكر هنا القديسة مونيكا والدة القديس أغسطينوس، والتي تزوجت من وثني، وكان يسيء معاملتها جدًا، وظلت هي تجاهد بأمانة، وقبل موته طلب أن يكون مسيحيًا، وهكذا نجحت. كانت أمينة على زوجها، وقالت: "لقد انتهيت من الجهاد الأول وبدأت الجهاد الثاني"، حيث كان لها ولدان، الكبير (أغسطينوس) درس المحاماة وبدأ ينحرف ويسقط في خطايا كثيرة، ولكن هذه الأم البارة ظلت تبكي عليه أكثر من 18 سنة، حتى تاب وتعّمد وصار القديس العظيم أغسطينوس.

أهم شيء في هذه الأمانة أن يعطي الأب والأم وقتًا لأبنائهما، فأغلى ما نقدمه لأبنائنا هو الوقت، ليس المال أو الهدايا. أغلى شيء التربية. أبناؤنا وبناتنا هم أمانة سيحاسبنا الله عليهم... وإذا كان هذا الأمر ينطبق على أوﻻدنا بالجسد، فهو ينطبق بالأكثر على الأبناء الروحيين.

أحيانًا تحدث مشكلات في حياتنا كأسرة، فإذا كانت هذه الأسرة شبعى من الحب، كل المشكلات ستُحَل. ازرع المحبة في قلب أولادك. أغلى ميراث تقدمه لأولادك هو أن يكبروا ويحبوا بعضهم البعض، بل والمجتمع الذي يعيشون فيه. البيت المملوء بالحب يصمد أمام التجارب والأزمات، ويقدم أناسًا نافعين في المجتمع.

+ الأمانة الأسرية أيضًا تمتد إلى أمانة التكريس، سواء حياة التكريس أو الرهبنة، حيث يعيش المكرسون والرهبان في أسر روحية، وإذا غابت الأمانة لا يكون التكريس مقبولًا أمام الله.

الأمانة المجتمعية

المجتمع الذي نعيش فيه سواء أكان قرية صغيرة، أو مدينة صغيرة، أو بلدًا كبيرًا، به عدد من الناس يختلف بحسب المكان، والإنسان في المجتمع إمّا طالب أو عامل (أيًا كان نوع العمل الذي يعمله). والمجتمع يقول عليه "مواطن"، يحمل المواطنة ويحمل انتماءه لهذا المجتمع. والأمانة المجتمعية متشعّبة جدًا..

+ هناك الأمانة الدراسية بالنسبة للطلبة في أي مرحلة من مراحل التعليم، يحتاج الطالب أن يجتهد بأمانة في أي مجل يدرس فيه، ولا يعلق ضعفاته على الجماعة.

+ وبعد التخرج هناك الأمانة في العمل، مهما كان نوعه. لا تظن أن عملك هذا ليس لة قيمة مهما كان صغيرًا، لا تحتقر أي عمل مهما كان بسيطًا، والمجتمع يحتاج لكل أنواع الوظائف، للطبيب والمهندس والسائق والتاجر والمزارع... والأمانة في العمل يندرج تحتها الأمانة في الوقت، في مستلزمات العمل، في إجادة العمل...

+ أيضًا هناك أمانة العلاقات، العلاقات الطيبة التي تربط المجتمع. في بعض المجتمعات هناك فئات تتصارع مع بعضها، كيف ينمو مثل هذا المجتمع؟ وهناك مجتمعات تحس أن المنتمين لها هم نسيج واحد رغم اختلافهم، وهذا شيء طبيعي فلا يوجد شخصان متطابقان في هذه الحياة.. في المجتع الواحد نكمل أحدنا الآخر.

+ ويدخل في هذه الأمانة الأمانة للوطن، الوطن عشنا فيه عبر زمن طويل، قرونًا كثيرة، فنحن المصريين نعيش في مصر، والمصريون لهم سمات معينة، ولذلك عندما يخون إنسان وطنه يُحاكَم بتهمة الخيانة العظمى.

+ توجد أيضًا أمانة الخدمة في الكنيسة، نسمع في تاريخ الكنيسة عن الهراطقة مثل آريوس ومقدونيوس وأوطاخي ونسطور، الذيم لم يكونوا أمناء لتعليم الكنيسة، وقس على هذا الكثير، فهناك الأمانة في الخدمة، في التكريس، في التعليم...

هذه هي الجوانب الثلاثة للأمانة: الأمانة الشخصية، الأمانة الأسرية، الأمانة المجتمعية. اجلس بينك وبين نفسك ونحن على أبواب الصوم، وقارن نفسك وحدك بهذه الآية «كُنْ أمينًا إلَى الموتِ فسأُعطيكَ إكليلَ الحياةِ». اجعل هذا الصوم فترة قوية لمراجعة مقياس الأمانة في حياتك، الأمانة بكل جوانبها، واعلم أنك ذات يوم ستقف أمام الله وتُسأل: «أعطني حساب وكالتك»، والله الديان العادل الكل مكشوف أمامه. المسيح يبارككم جميعًا.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx