اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
الكرازة السنة السابعة والأربعون08 مارس 2019 - 29 امشير 1735 ش     العدد كـــ PDFالعدد 9-10

اخر عدد

رسالة إلى أخي

ماريان إدوارد

08 مارس 2019 - 29 امشير 1735 ش

عزيزي/ أخي الكبير

أتمنى أن تكون الآن بحال أفضل، وقد هدأت ثورتك وزال غيظك.

وربما لم تهدأ بعد يا أخي المحبوب، ولهذا الاحتمال أرسل لك خطابي هذا ربما يساعدك قليلًا على تفهُّم هذه الأحاسيس المتضاربة العجيبة التي تجتاز جميعنا، بمن فيهم أبي الذي لا أستحق منه أبدًا كل هذا العطف والحب والاحتمال.

نعم يا أخي لك كل الحق، فأنا طائش العقل منذ اليوم الأول، عنيد متكبر، عبد لشهواتي ورغباتي، نعم! عبد لها أنا حتى أعمق أعماقي.

لم أتحمّل مسئولية يومًا، ولم أقف بجدية وعزم لأنصر الحق والخير، ولم أثبت لأبي -ولا لك– أنني رجل يُعتمَد عليه، أو حتى يشرّف أسرته بعمل صالح.

ولا أخفيك سرًا يا حبيبي وأخي، أنني بداخل قلبي كنت أحسدك.. دائمًا كنت أحسدك، فأنت بالطبيعة راجح العقل، ميّال للصواب، بطبيعتك مسئول ومتزن. ولا أخفيك سرًا أنني أعلم علم اليقين أن رجاحة عقلك وصواب أفعالك ما هو إلّا فطرة، أو ربما خوف وجبن، ولكني وبالرغم من هذا أحسدك!

ولكن ليس لهذا أكتب، بل أكتب لأخبرك بحالي حين فجرت بكل كبريائي وعنادي، وطاوعت شهواتي ورغباتي، وأخذت مال أبيك ومالك وسافرت... لم يكن طويلًا حتى غلبني الاشتياق ولكنني كابرت، ما أسهل أن تكابر ومعك المال والصحة والنفاق! ولكن.. هل كنت تعرف أن الاشتياق كان يأكلني؟ فوجئتَ؟ هل كنت أبدو لك بلا مشاعر أو عقل، نزقًا مستهترًا غير مبالٍ؟... بل صدقني كنت أشتاق إليك وألى أبي بشغف شديد، كنت أحنّ إلى المحبة الأولى، المحبة الكاملة التي لها القدرة أن تطرح كل خوف الى خارج!

وهل كنت تظنني لا أخاف؟ بل لقد كنت أرتعب! أخاف أن ينفد المال أو الصحة وهذا الدنس الذي لوّث جسدي، أخاف أن يجازيني الله بالمجازاة التي أستحقها! كنت أخاف حتى ترتجف عظامي! أخاف لأن الحب يا أخي لم يكن كاملًا!

ولا أخفيك سرًا.. لقد أصابني كل ما كنت أخشاه.. ولم يكن من الله مجازاة، وإنما ما زرعته يداي جنته يداي...

وحين أصابني ما أصابني فكرت في النهوض والعودة، أنهض؟ نعم فقد كنت ساقطًا في قاذورات لن تحتمل سماعها أبدًا، فأذناك شريفتان يا أخي الحبيب!

أتدري كم مرة حاولت القيام والعودة؟

عشرات المرات حاولت، مرة جذبني حبي إليكم، اشتقت لرفعة أبي ووقاره، اشتقت لتلك اللحظات الأبوية التي تشمل الابن وحده بهذا الحنان الأبوي الخاص، اللحظات المرحة التي تخصنا، الكلمات الخاصة التي لا يفهمها سوى أفراد الاسرة الواحدة، اشتقت كإنسان ذاق الحب مرة، واختبر الحياة في عمر جميل، ثم رحل بإرادته واختطف لنفسه حكم الموت!

اشتقت لك يا أخي رغم ما يحيط علاقتنا من جمود وبرود، اشتقت إليك، فهي نفس الدماء التي تسري في عروقك تصل حتى عروقي، اشتقت لوجودي في حماك يا أخي الكبير.

وفي كل مرة أفكر في العودة أتشمم رائحتي وأنظر لنفسي، وأخجل جدًا جدًا، فكيف أعود وبأي عين أنظر اليك يا أخي الشريف؟!

ولكني توصلت لحل عظيم! قلت أعود لا كابن بل كعامل أجير عندكم، وان كنت لا أستحق شرف دمائكم فلأخدمكم مقابل بقايا كرامة وخبز يبقيني بهامش الحياة!

نعم يا أخي تلك حالتي السيئة المتردية التي عدت بها والتقيت بها أباك. كم هو كريم أبوك! كريم القلب، كريم المشاعر، كريم الرحمة، كريم كما لم ترَ كرمًا من قبل! ليتك رأيته يجري نحوي، يحتضنني، يضمني نحو قلبه بلا تردد! ليتك كنت هنا يا أخي، فلم تكن لتقاوم الدموع!

ولهذا السبب أكتب إليك، كي لا تغالب دموعك شفقة عليّ، بل لتقبلني.. لتسمح لكرم دمائك الزكية أن تنتصر بالغفران.

سامحني يا أخي فلا أملك أن أعوضك المال الذي بددته، ولا كرامتك التي لوثتها. لا أملك وعدًا واحدًا أعدك به، فقد اختبرت نفسي وعرفتها جيدًا، ولكن... ولكن ضامني أبوك! هو يوفي!

أخي المحبوب، ليس لأجلي أدعوك لتسامحني بل لأجل أبيك!

أخي الحبيب... سامحني.. كما سامحني أبي.. أرجوك!

أخوك الضال.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx