اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السنة السابعة والأربعون06 سبتمبر 2019 - 1 نسئ 1735 ش     العدد كـــ PDFالعدد 33-34

اخر عدد

نعمة الشفقة - عظة الأربعاء ٢١ أغسطس ٢٠١٩م من كنيسة السيدة العذراء والأنبا رويس بالكاتدرائية المرقسية بالعباسية

قداسة البابا تواضروس الثانى

06 سبتمبر 2019 - 1 نسئ 1735 ش

نكمل معًا سلسلة النعم السبع التي نشكر عليها الله كل يوم في صلاة الشكر: "نشكرك... لأنك سترتنا، وأعنتنا، وحفظتنا، وقبلتنا إليك، وأشفقت علينا، وعضدتنا، وأتيت بنا إلى هذه الساعة". اليوم سوف نتأمل في النعمة الخامسة التي هي "أشفقتَ علينا".

الشفقة.. كلمة تحمل معنى الحنان، ولها مترادفات كثيرة. الشفقة تعني الرحمة والرأفة والتعزية، وتعني الأحساس بالأخرين، مثل أمنا العذراء في عرس قانا الجليل، شعرت بالمأزق الذي فيه أهل العرس وذهبت للسيد المسيح وقالت له «ليس لهم خمر»، وكلمة خمر في مدلولها في الكتاب المقدس تعني الفرح، وكأنها تقول له إنهم يعيشون في حزن، لأن العهد القديم بأكمله لم يكن فيه فرح الخلاص. كيف فهمنا أنها تقصد فرح الخلاص؟ لأن إجابة السيد المسيح أجابة خلاصية «مالي ولكِ يا امرأة، لم تأتِ ساعتي بعد"، ساعتي تعني ساعة الصليب وهي قمة الرحمة والشفقة لبني البشر. العذراء مريم تعطي لنا نموذجًا مصغرًا لإحساسها كإنسانه بشعور الآخرين ومشاكلهم، والسيد المسيح في إجابته يخبرنا أن ساعة الرحمة الشاملة والكاملة هي ساعة الصليبحيث قدم الفداء والرحمة لكل البشر، ولذلك أكثر كلمة نستخدمها في صلواتنا "ارحمنا يا الله"، ونقولها في أشكال كثيرة. ونقول في مزمور التوبة: «ارحمني يا الله كعظيم رحمتك»، "عظيم رحمتك" تعني عظيم الشفقة، أي شفقة الله التي لا تنتهي.

أعمال السيد المسيح كلها لا تخلوا من فعل الرحمة (معجزات - أمثال – مقابلات). المعجزات كلها شفاء مرضى أو أقامة موتى وكلها تحمل روح الشفقة والرحمة. وأمثال السيد المسيح كلها يوجد بها الرحمة، ففي مَثَل الابن الضال، نقرأ أنه عند عودة الابن «تحنن عليه أبوه». حتى في مقابلات السيد المسيح، مثل مقابلته مع نيقوديموس والمرأة السامرية ونازفة الدم والمرأة الكنعانية وغيرهم، وتحنن عليهم جميعًا. إذا قابلت السيد المسيح الآن أمام الباب، ماذا سوف تقول له؟ سوف تقول له: "ارحمني يا الله"، إنه الطلب الأول والأخير الذي نطلبه من شخص السيد المسيح.

وسوف نذكر عدة مواقف من الكتاب المقدس تظهر الله الشفوق الرحيم، الذي يتحنن على جنس البشر...

+ نبدأ عندما ظهرت شفقة الله وأوجد أول إنسان (آدم)، وعندما رأى آدم وحيدًا خلق له حواء، وكانت خلقة آدم وحواء نوعًا من شفقة الله على الإنسان. وبعد السقوط في الخطية وكسر الوصية صنع الله لآدم وحواء أقمصة من جلد وألبسهما، وهذا نوع من الشفقة والرحمة.

+ في قصة لوط كان الملاكان يستعجلان لوط وعائلته للخروج من البلد التي سوف تُحرق بنار وكبريت، يقول الكتاب: «ولَمّا توانَى، أمسَكَ الرَّجُلانِ بيَدِهِ وبيَدِ امرأتِهِ وبيَدِ ابنَتَيهِ، لشَفَقَةِ الرَّبِّ علَيهِ» (تكوين19: 16).

+ يعقوب أبو الآباء عندما تزوج ليئة ثم تزوج راحيل، ليئة كانت أقل جمالًا من أختها راحيل، وكان يعقوب يحب راحيل أكثر من ليئة، ولكن لأن الله يشفق على ليئة فأعطاها نسلًا قبل راحيل.

والكتاب المقدس مليء بالآيات التي تتحدث عن شفقه الله على المساكين والفقراء «يُشفِقُ علَى المِسكينِ والبائسِ، ويُخَلِّصُ أنفُسَ الفُقَراءِ» (مز72: 13). ويتكلم عن الغريب واليتيم والأرملة والضيف، وكل إنسان يكون في احتياج. شفقة الله لا نستطيع أن نصفها تمام الوصف... شفقة الله علينا في كل أحوالنا وفي أمور كثيرة قد لا نلاحظها. العام الماضي قمنا بعمل مؤتمر كبير لشباب من كنائسنا في العالم، ولحرارة الجو خفنا على الشباب، فصلّى الخدام للرب ليجعل الجو مناسبًا، وتمجّد الله وكان الجو معتدلًا في ذلك الأسبوع.

في العهد الجديد شفقة السيد المسيح تخلّلت كل شيء..

+ عندما قابل أعميين يجلسان على الطريق «فلَمّا سمِعا أنَّ يَسوعَ مُجتازٌ صَرَخا قائلَينِ: «ارحَمنا يا سيِّدُ، يا ابنَ داوُدَ!». فتحَنَّنَ يَسوعُ ولَمَسَ أعيُنَهُما، فللوقتِ أبصَرَتْ أعيُنُهُما فتبِعاهُ» (مت20: 30، 34).

+ أشفق على المرأة الكنعانية التي كانت تصرخ «ابنتي مجنونة»، وأدخلها في امتحان صعب إذ قال لها «ليس حَسَنًا أنْ يؤخَذَ خُبزُ البَنينَ ويُطرَحَ للكِلابِ»، ولكن المرأة الكنعانية في إيمان ثابت قالت له: «والكِلابُ أيضًا تأكُلُ مِنَ الفُتاتِ الّذي يَسقُطُ مِنْ مائدَةِ أربابِها!»، فامتدح السيد المسيح إيمانها وتحنّن عليها وشفى ابنتها (مت15: 21-28).

+ ورأيناه يقيم ابن أرملة نايين «فلَمّا رآها الرَّبُّ تحَنَّنَ علَيها، وقالَ لها: «لا تبكي». ثُمَّ تقَدَّمَ ولَمَسَ النَّعشَ... فجَلَسَ المَيتُ وابتَدأَ يتَكلَّمُ، فدَفَعَهُ إلَى أُمِّهِ» (لوقا 7: 13-15).

+ وفي معجزة إشباع الجموع يقول الكتاب «إنّي أُشفِقُ علَى الجَمعِ، لأنَّ الآنَ لهُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ يَمكُثونَ مَعي وليس لهُمْ ما يأكُلونَ. ولَستُ أُريدُ أنْ أصرِفَهُمْ صائمينَ لئَلّا يُخَوِّروا في الطريقِ» (مت15: 32).

والجميل أن شفقة الله وحنانه ليست على البشر فقط ولكن على الحيوان أيضًا، فيقول: «لا تحرث على ثور وحمار معًا» (تث22: 10)، لأن الثور أقوى من الحمار وهذا به تعب وألم للحمار. ومن الكتاب المقدس نشأت جمعيات "الرفق بالحيوان"، وأيضًا "حقوق الإنسان" Human Rights، وهي شكل من أشكال الرحمة. وأيضًا شفقة الله على الطيور «المعطي البهائم طعامها ولفراخ الغربان التي تصرخ» (مز147: 9).

وأيضًا شفقة الله على الأرض حيث أمر قديمُا «وسِتَّ سِنينَ تزرَعُ أرضَكَ وتَجمَعُ غَلَّتَها، وأمّا في السّابِعَةِ فتُريحُها وتَترُكُها ليأكُلَ فُقَراءُ شَعبِكَ. وفَضلَتُهُمْ تأكُلُها وُحوشُ البَرّيَّةِ. كذلكَ تفعَلُ بكَرمِكَ وزَيتونِكَ» (خر23: 10-11).

كيف ينال الإنسان شفقة الله ورحمته؟

أولًا: التوبة

التوبة تجعل الله يسكب عليك كل البركات، وتفرح السماء بخاطئ واحد يتوب. فالتوبة هي التي تسكب رحمة الله على الإنسان. حين تاب الابن الضال كان كل ما يتمنّاه أن يكون أجيرًا عند أبيه، لكن أباه قبله وتحنّن عليه.. توبته جلبت كل هذه العطايا «لأنَّهُ يَعرِفُ جِبلَتَنا. يَذكُرُ أنَّنا تُرابٌ نَحنُ. كما يتَرأفُ الأبُ علَى البَنينَ يتَرأفُ الرَّبُّ علَى خائفيهِ» (مز103: 13-14).

ثانيًا: التسامح

نصلي كل يوم: "اغفر لنا ذنوبنا، كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا"، وإن لم نغفر للناس زلّاتهم، لا يغفر لنا الله. علّم نفسك أن تسامح. قد تبدوا كلمة سهلة ولكنها صعبة في التطبيق. سامح واصفح لتنسكب عليك رحمة الله وشفقته.

ثالثًا: عمل الرحمة

علّم نفسك تعمل أعمال رحمة بكل شكل، ضع أمامك الآية «كونوا رُحَماءَ كما أنَّ أباكُمْ أيضًا رحيمٌ» (لو6: 36). هناك من يتلذّذ بإذلال الآخر وتعذيبه، كل هذه الأفعال تطيح بالإنسان بعيدًا عن السماء... كيف تصلي: "نشكرك لأنك أشفقت علينا"، وأنت لا تشفق على أخيك؟ علِّم نفسك عينيك كيف تكون رحيمًا لكي تتمتع برحمة الله. نقِّ قلبك من أيّة قساوة، وقل له: يا رب أشكرك لأنك أشفقتَ عليّ، وأعطني نعمة أن أشفق على الآخرين.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx