اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السنة السابعة والأربعون18 أكتوبر 2019 - 7 بابه 1736 ش     العدد كـــ PDFالعدد 39-40

اخر عدد

حنُوّ الله - الجمعة 31 أكتوبر 2008 –  العددان 21، 22

مثلث الرحمات البابا شنوده الثالث

18 أكتوبر 2019 - 7 بابه 1736 ش

أحب أن أكلمكم اليوم عن حنو الله. ونحن نذكر ذلك في صلواتنا فنقول عن الرب "الكثير الرحمة الجزيل التحنن". وما أكثر الكلام عن حنان الله في المزامير وأسفار الأنبياء. وهو حنان ناتج عن محبة الله ورحمته، وهما من طبيعته.

فمن طبيعة الله أنه متحنن. وهو متحنن على الكل، وبخاصة على الخطاة، حتى أن داود النبي يقول: «أقع في يد الله، ولا أقع في يد إنسان، لأن مراحم الله كثيرة» (2صم24: 14).

ومن جهة الخطاة، فإن الله يتحنن عليهم لسببين: من جهة ضعف طبيعتهم التي تميل إلى الخطأ، وأيضًا لقوة وحيل الشيطان الذي يحاربهم. وهكذا نرى داود النبي يقول في المزامير «الأقوياء قاموا عليّ... الأعزاء طلبوا نفسي». ويقول في (المزمور 103): «الرب رحيم ورؤوف طويل الروح وكثير الرحمة. لم يصنع معنا حسب خطايانا، ولم يجازنا حسب آثامنا.. لأنه يعرف جبلتنا. يذكر أننا تراب نحن»..

ومعروف أنه في حرب الشياطين ضد القديس أنطونيوس الكبير، إنه كان يقول لهم "أيها الأقوياء ماذا تريدون مني أنا الضعيف؟!... أنا أضعف من أن أقاتل أصغركم".. ونحن نقول في صلاة الستار "أنت يا رب تعرف يقظة أعدائي، وضعف طبيعتي أنت تعلمه يا خالقي". فلهذين السببين يتحنن الله علينا.

والله – في حنوه على الخطاة – يسعى إليهم ليجذبهم إليه:

مثال ذلك سعيه لخلاص زكا العشار. فقد دخل بيته وما كان ذلك الإنسان الخاطئ ينتظر ذلك. وقال الرب لليهود الذي تعجبوا لدخوله بيت رجل خاطئ «إن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب ويخلص ما قد هلك» (لو19: 10).

وأريانوس والي أنصنا الذي كان من أقسى الولاة اضطهادًا للمسيحيين، سعى الله إليه، وجذبه إلى الإيمان، وحوّله إلى شهيد. وأيضًا كان قد فعل ذلك مع شاول الطرسوسي، فحوله من مضطهد للكنيسة إلى رسول (أع9).

ومن حنان الله في جذب الخطاة، أنه لا يذكر لهم خطاياهم القديمة، ولا يجرح شعورهم بذكر ماضيهم الأثيم.

فمع يعقوب أبي الآباء، لم يذكر له أنه خدع أباه (تك27). والمرأة الخاطئة التي قابلته في بيت الفريسي، لم يذكر لها أنواع خطاياها (لو7). ومن جهة تلاميذه، لم يعايرهم بهربهم وخوفهم. كذلك لم يعاير يونان النبي بهربه منه، بل احتمله.. والرب في كل ذلك لا يوبخ كثيرًا. ولم يقل لبطرس الرسول: كيف أنكرتني وقلت لا أعرف الرجل؟!

ومن حنو الله، أنه يفرح برجوع الخطاة ويقبل توبتهم.

يفرح بخاطئ واحد يتوب أكثر من 99 بارًا لا يحتاجون إلى توبة (لو15: 7). وهو يقود الخطاة إلى الاعتراف برفق شديد، كما فعل مع المرأة السامرية (يو4).

ومن أعمق درجات حنوه، أنه كان يدافع أحيانًا عن بعض الخطاة مع بشاعة أخطائهم، كما دافع عن المرأة المضبوطة في ذات الفعل، وقال لمن طالبوا برجمها «من كان منكم بلا خطية، فليرمها بأول حجر» (يو8: 7). وكشف لأولئك القساة أخطاء كل منهم، فانسجبوا وتركوها. ثم قال للمرأة «وأنا أيضًا لا أدينك. أذهبي ولا تخطئي أيضًا».

ومن حنو الله، أنه يغفر للخطاة، مهما كانت خطاياهم ثقيلة. فهو لا يُسَرّ بموت الخاطئ، بل أن يرجع ويحيا وحينئذ كل معاصيه التي فعلها لا تُذكر له (حز18: 22، 23).

وهكذا فإنه دعا إلى عرسه: الجدع والعرج، والعمي وسائر المساكين (لو14: 21) أي العاجزين روحيًا.

ومن حنو الله على الخطاة، أنه كان يقبلهم مهما تأخروا في التوبة: كما قبل الذين لجأوا إليه في الساعة الحادية عشرة، وأعطاهم مثل الباقين (مت20: 6، 9). ومثلما قبل اللص اليمين في آخر ساعات حياته (لو23: 43). وكما قبل أوغسطينوس الذي قال له "تأخرت كثيرًا في حبك".

وحنو الله ليس فقط على الخطاة، وإنما أيضًا على المرضى، وعلى أهل الموتى، وعلى التعابى، وعلى الجياع.

+ فمن جهة المرضى، قصص إشفاقه عليهم لا تدخل تحت حصر. ويكفي قول الكتاب إنه «كان يشفي كل مرض وكل ضعف في الشعب» (مت4: 23). وكثيرًا ما كان يسبق الشفاء، عبارة «فتحنن». ومن أشهر قصص الشفاء، مريض بيت حسدا الذي لم يكن له إنسان يهتم به، فاهتم به الرب وقال له «قم أحمل سريرك واِمشِ» (يو5: 8).

+ أما عن أهل الموتى، فنذكر قصة أرملة نايين التي كانت تبكي على ابنها «فلما رآها الرب تحنن عليها وقال لها لا تبكي». ثم أقام ابنها من الموت، ودفعه إلى أمه (لو7: 13-15).

+ ومن جهة التعابى، يظهر حنو الرب في قوله «تعالوا إلىّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكم» (مت11: 28).

+ ومن جهة اشفاقه على الجياع، قصة إشباع الجموع من الخمس خبزات والسمكتين (مت14:14-21)، وأيضًا إشباع الأربعة آلاف (مت15: 32-38). ويبدو حنوه في قوله «إني أشفق على الجميع.. لئلا يخوروا في الطريق».

ومن حنو الرب أيضًا على الجياع، قوله في يوم الدينونة للذين عن اليسار «اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدَة لإبليس وملائكته، لأني جعت فلم تطعموني.. الحق أقول لكم: بما أنكم لم تفعلوه بأحد أخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء إلى عذاب أبدي» (مت25: 41-49).

+ حنو الرب شمل الأطفال: فقال «من أعثر أحد هؤلاء الصغار المؤمنين بي،  فخير له أن يُعلق في عنقه حجر الرحي ويغرق في لجة البحر» (مت18: 6).

وأقام طفلاً في الوسط وقال «إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد، فلن تدخلوا ملكوت السموات» (مت18: 3).

+ وكان يشفق أيضًا على المطرودين: فالمولود أعمى – بعد شفائه – لما طرده اليهود خارج المجمع، وجده الرب ودعاه للإيمان (يو9: 35).

+ وحنو الرب كان يشمل المديونين أيضًا: فقال للفريسي «مداين كان له مديونان، على الواحد خمسمائة دينار، وعلى الآخر خمسون. وإذ لم يكن لهما ما يوفيان، سامحهما جميعًا» (لو7: 40-42). وجميلة عبارة «سامحهما جميعًا». وتؤخذ في عمقها عن خطايانا: إذ لا نستطيع أن نوفي، فالرب يسامحنا جميعًا..

الرب أيضًا يحنو على الغرباء.

ففي العهد القديم يوصي بإضافة الغريب، ويقول «تحبه كنفسك. لأنكم كنتم غرباء في أرض مصر» (لا19: 33، 34). وفي العهد الجديد «لا تنسوا إضافة الغرباء، لأن بها أضاف أناس ملائكة وهم لا يدرون» (عب13: 2).

+ ما أجمل ما قيل في حنان الرب إنه:

+ معين من ليس له معين، ورجاء من ليس له رجاء ميناء الذين في العاصف...

+ الرب يحنو أيضًا على المُجربين: فهو أمين «الذي لا يدعكم تُجرَّبون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ، لكي تستطيعوا أن تحتملوا» (1كو10: 13).

+ وهو يحنو أيضًا على المحتاجين إلى رعاية: فلما أبصر هؤلاء «تحنن عليهم، إذ كانوا منزعجين كغنم لا راغي لها. حينئذ قال لتلاميذه: الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون. فاطلبوا من رب الحصاد أن يرسل فعلة إلى حصاده» (مت9: 36-38). وقال عن هؤلاء أيضًا في سفر حزقيال النبي «هأنذا اسأل عن غنمي وافتقدها.. أطلب الضال، واستطرَد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح» (حز34: 11-15).

+ وهو أيضًا يحنو على الضعفاء والمُهدَّدين من أعدائهم. وفي هذا يقول المزمور «لولا أن الرب كان معنا حين قام الناس علينا... نجت أنفسنا مثل العصفور من فخ الصيادين. الفخ أنكسر ونحن نجونا. عوننا من عند الرب الذي صنع السماء والأرض» (مز124).

+ الرب أيضًا يحنو على المسبيين والمأسورين: فيقول «.. أبشر المساكين. أعصب منكسري القلوب. أنادي للمسبيين بالعتق، وللمأسورين بالإطلاق» (إش61: 1). هو باستمرار إله الضعفاء والمساكين «المقيم المسكين من التراب، والرافع البائس من المزبلة ليجلسه مع رؤساء شعبه».

الرب أيضًا يشمل حنوه الحيوانات والطيور.

+ فهو يقول «لا تحرث على ثور وحمار معًا» (تث22: 10). ذلك لأن الثور أقوى من الحمار، فإنه يرهقه إن عملا معًا. والرب يشفق على الحمار الضعيف. كذلك فإن الرب عندما أوصى بيوم راحة في الأسبوع، قال «لا تعمل عملاً، أنت وابنك وابنتك، وعبدك وأمتك، وبهيمكن ونزيلك الذي داخل أبوابك» (خر20: 8-10).

+ وكان حانيًا على الطيور. فقال «إنها لا تزرع ولا تحصد، ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم السماوي يقوتها، (مت6: 26). وقال "أليس عصفوران يباعان بفلس. وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم» (مت10: 29).

+ الرب أيضًا يحنو على المخلوقات الضعيفة، ويعطيها سببًا للهروب فينقذها من أعدائها. فالغزال أضعف من الأسود، ولكن الله أعطاها سرعة في الجرى لتهرب منه. والقط أضعف من الكلب، ولكن الله أعطاه قدرة على تسلق الشجر ليهرب. والفأر أضعف من القط، ولكن الله أعطاه قدرة على حفر أنفاق ليهرب.

+ الرب أيضًا شمل حنوه الكنيسة. فوعدها بأن أبواب الجحيم لن تقوى عليها (مت16: 18).

+ وشمل حنوه الأمم من عبدة الأوثان والأرواح والطبيعة فجذبهم كلهم إلى الإيمان. كذلك أشفق على الملحدين، وقادهم أيضًا للإيمان، كما فعل مع روسيا الشيوعية.

إننا نحب الله جدًا من أجل حنوه، فلولا هذا الحنو ما استطاع أحد منا أن يبقى حتى اليوم.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx