اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 4808 مايو 2020 - 30 برموده 1736 ش     العدد كـــ PDFالعدد 17-18

اخر عدد

رحيل عاشق التاريخ القبطي وعالم اللغة القبطية القمص بيجول باسيلي مقار

دكتور/ ميشيل بديع عبد الملك رئيس قسم الموسيقى والألحان بمعهد الدراسات القبطية

08 مايو 2020 - 30 برموده 1736 ش

تعود معرفتي أنا وأسرتي بالمهندس جورج باسيلي مقار (القمص بيجول باسيلي فيما بعد) إلى الخمسينيات، عندما كنت أنا وشقيقي الأكبر المؤرخ الكنسي (كما لقبه البابا شنوده الثالث) الأستاذ الدكتور مينا بديع عبد الملك مع أفراد أسرتي نقيم على بُعد أمتار معدودة بالقرب من مسكن الأستاذ المبارك باسيلي مقار (والد المهندس جورج باسيلي)، في شارع عرفان بمنطقة محرم بك بالإسكندرية. وتوطدت العلاقة بيننا أثناء تلمذتنا بالخدمة الشمامسية بكنيسة السيدة العذراء مريم بمحرم بك بالإسكندرية والانضمام لصفوف خدمة مدارس الأحد بها، حيث كانت الكنيسة تهتم بتنشئة أبنائها وخدامها التنشئة الأرثوذكسية السليمة عن طريق تسليم اللحن الكنسي السليم من المرتل حبيب حنا الميراهم، وهو من أشهر تلامذة المعلم ميخائيل البتاتوني، وتسليم الطقس الكنسي السليم، وإتقان اللغة القبطية، بالإضافة للاهتمام بدراسة التاريخ القبطي والإلمام بتاريخ وتعاليم آباء الكنيسة وقديسيها منذ فجر المسيحية.

وكان المهندس جورج باسيلي، وهو من جيل الثلاثينات وسليل عائلة قبطية أصيلة قلما توجد في ذلك الوقت وقلما نجد مثلها اليوم، وهو شقيق للأسقف المبارك الأنبا ديمتريوس عالم اللغة القبطية، هو أحد خدام هذه الكنيسة والذي تتلمذنا على يديه في فترة الخمسينيات والستينيات وبداية السبعينيات قبل انتقاله للعمل بالقاهرة. فنظرًا لعشقه لتاريخ الكنيسة القبطية وكذلك إتقانه للغة القبطية (اللفظ البحيري السليم المستخدم في الصلوات الليتورجية للكنيسة القبطية الأرثوذكسية) لسبب تلمذته على فطاحل اللغة القبطية بمدينة الإسكندرية، وكذلك تلمذته لأكبر جيل خدم الإسكندرية والبلاد المصرية في الدراسات الآبائية والكنسية، فكان يهتم بتقديم سلسلة من التاريخ القبطي والاهتمام بضرورة إتقان اللغة القبطية. ونظرًا لنبوغه في علم الكهرباء الهندسية لسبب دراسته بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية – قسم كهرباء، كان يهتم بشرح مادة الفيزياء لطلبة الثانوية العامة من أبناء الكنيسة. وعندما كانت الكنيسمة تقيم في مناسبات متعددة احتفالات لشباب ثانوي والجامعة بالإضافة لإقامة الدورات الرياضية بنادي الكنيسة، فكان المهندس جورج باسيلي هو الخادم المسئول عن أعمال الكهرباء، فكان يحضر معه جهاز الريكوردر الألماني ويقدم لنا أثناء حفلات السمر والأنشطة الرياضية من خلال الأشرطة البكر مقطوعات موسيقية لتسجيلات الألحان للمعهد الفرعوني للموسيقى القبطية بقيادة ملاكة عريان، كما كان يقدم لنا من خلال جهاز الريكوردر مقطوعات جميلة من صلوات الكنيسة القبطية بصوت المتنيح الأنبا بنيامين مطران المنوفية، والقمص جرجس مرقس، والمعلم جرجس سعد، بالإضافة لألحان معهد الدراسات القبطية وبعض الصلوات بصوت القديس البابا كيرلس السادس، فكان يضفي علينا جوًا روحيًا جميلًا عملًا بقول القديس بولس الرسول «إن كانت تسلية ما، للمحبة». كما كنا ونحن تلاميذ خلال فصل الصيف نسعد بلقاءات مسائية مع المهندس جورج باسيلي في نادي الكنيسة حيث كان يسرد لنا قصصًا من تاريخ الكنيسة.

تمت سيامة المهندس جورج باسيلي كاهنًا باسم القس بيجول على كنيسة السيدة العذراء مريم بأرض الجولف بالقاهرة في الثمانينات بيد المتنيح البابا شنوده الثالث، وظل يخدم بها حتى أرسله قداسة البابا شنوده الثالث للخدمة بكنيسة مار مرقس الرسول بفرانكفورت بألمانيا في أواخر عام 1989، وهو يُعتبر ثالث كاهن يخدم بها بعد خدمة كل من المتنيح القمص صليب سوريال ثم القمص شنوده دوس –أطال الله عمره– كاهن كنيستنا القبطية في أتوا. وصل أبونا بيجول وحده مطار فرانكفورت وبدأ في التعامل مع شعب الكنيسة منذ وطأت قدماه أرض مطار فرانكفورت بروح المحبة والتواضع، وكانت البشاشة تملأ وجهه، وكان يستقبل كل من يقابله بالعناق مُرحِّبًا به وكأنه يعرفه منذ سنوات مضت. أحبه شعب الكنيسة والتفّ حوله. كان له صوت كنسي عذب في أثناء أدائه للقداس باللغة القبطية. ومنذ بداية خدمته بين صفوف شعب كنيسة فرانكفورت وضع منهجًا لتعليم أبناء الكنيسة اللغة القبطية وسرد التاريخ القبطي، فبدأ في تعليق بعض الآيات الكتابية باللغة القبطية في الكنيسة، وكذلك في قاعات الاجتماعات بالكنيسة، بالإضافة لتعليق بعض اللوحات التي تحوي كلمات قبطية على حوائط قاعة الاجتماعات بالكنيسة. وكان يحرّص على تعليم الأطفال الصغار اللغة القبطية. بدأت نهضة اللغة القبطية في كنيسة مار مرقس بفرانكفورت تتسع أكثر وأكثر عندما حضرت زوجته المتنيحة هاتاسو رزق الله وأبناؤه الثلاثة وجميعهم يتقنون الحديث باللغة القبطية. ومما يُذكر عنه أنه كان في القاهرة -وقبل سيامته كاهنًا- قدّم استمارات أبنائه الثلاثة للالتحاق بإحدى المدارس الأجنبية بمصر الجديدة، وكان أبناؤه الثلاثة ليسوا على دراية باللغة العربية ولا الإنجليزية حديث كانت لغتهم الأم التي يتحدثون بها هي اللغة القبطية. بدأت زوجته المباركة وأبناؤه المباركين في مساعدته بضرورة الاهتمام باللغة القبطية. وكنت عندما أزوره في كنيسة مار مرقس بفرانكفورت كان حديثه مع زوجته وأبنائه باللغة القبطية.

أسند له البابا شنوده الثالث تدريس اللغة القبطية بكلية البابا شنوده الثالث الإكليريكية بكريفلباخ بألمانيا. كما اهتم بإلقاء محاضرات باللغة الألمانية عن اللغة القبطية وتاريخ الكنيسة القبطي في جامعات متعددة بألمانيا. شارك في العديد من المؤتمرات العلمية في علم القبطيات بالمساهمة في تقديم محاضرات علمية. أصبح اسم القمص بيجول باسيلي وعائلته المباركة مشهورًا في الأوساط العلمية بالجامعات الألمانية المتخصصة في الدراسات القبطية لأنها العائلة الوحيدة التي تتحدث اللغة القبطية على أنها لغتهم الأم، فكان يأتي إليه كبار أساتذة القبطيات للتعرف عليه وعائلته والاستماع إلى اللهجة البحيري القبطي الذي لا يعرفون عنه شبء لأن دراسة اللغة القبطية بأقسام القبطيات بالجامعات الألمانية تعتمد فقط على اللهجة الصعيدي للغة القبطية.

وفي 19 يناير 2009، كلّف البابا شنوده الثالث، نيافة الأنبا ديمتريوس أسقف ملوي وأنصنا والأشمونين ورئيس دير أبو فانا للرهبان ودير البتول للراهبات، بأن يكون رئيسًا لقسم اللغة القبطية بمعهد الدراسات القبطية (وهو شقيق المتنيح القمص بيجول باسيلي)، وقال قداسته: "أنا أعرف أسرة الأنبا ديمتريوس معرفة جيدة، وهي عائلة تتقن اللغة القبطية وتتحدث بها بطلاقة، وشقيقة أبونا بيجول باسيلي هو وأسرته يتحثون مع بعضهم باللغة القبطية فقط داخل المنزل"، ثم استطرد قائلًا إن تعيين الأنبا ديمتريوس رئيسًا لقسم اللغة القبطية هو للحفاظ على النطق البحيري السليم الذي نستخدمه في الصلوات والألحان الكنسية، وهي اللهجة التي استقرت عليها الكنيسة ومسجلة من تسجيلات ألحان معهد الدراسات القبطية بصوت المعلم ميخائيل البتانوني والتي قام بتجميعها منذ عام 1926 المتنيح الأستاذ الدكتور راغب مفتاح رئيس ومؤسس قسم الألحان والموسيقى القبطية بمعهد الدراسات القبطية بالقاهرة.

كان المتنيح القمص بيجول باسيلي فاتحًا منزله لكل الغرباء الذين أتوا إلى ألمانيا حيث خصص لهم مأوى للسكن إلى أن تستقر أمورهم، وكانت له رعاية روحية كبيرة لهم. كما اهتم بزيارة المرضى الذي كانوا يأتون من مصر إلى ألمانيا للعلاج. اهتم بخدمة الشباب وشارك في مؤتمرات أوروبا للشباب، وكانت أحاديثه في تلك المؤتمرات تتصب على الاهتمام بمعرفة تاريخهم القبطي وحياة الشهداء وأيضًا تعريفهم بأهمية الصلاة باللغة القبطية. عاش القمص بيجول باسيلي بين رعيته في ألمانيا يجول يصنع خيرًا. عاش في هدوء وبساطة وبدون تكلفة مصطنعة. كان فاتحًا ذراعيه لكل من يأتي إليه. شارك الجميع في أفراحهم وآلامهم. وتحمل فقدان زوجته المباركة بشكر كبير لله. تحمل آلامًا جسديًا في الأسابيع الأخيرة قبل نياحته، قام بصلاة قداس أحد الشعانين وهو في حالة إعياء شديد وقد لاحظ عليه ذلك كل من حضر معه صلوات القداس الإلهي.

وأخيرًا بعد جهاد روحي وحمل للصليب بأمانة كاملة، عاد القمص بيجول باسيلي إلى بيته موضع راحته، ليشارك الغالبين الواقفين أمام الحمل، ليشاركهم نشيد الغلبة والخلاص وليسكن إلى الأبد في مساكن النور.


  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx