اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 4808 مايو 2020 - 30 برموده 1736 ش     العدد كـــ PDFالعدد 17-18

اخر عدد

عظة عشية عيد استشهاد القديس مار مرقس، يوم الخميس ٧ مايو ٢٠٢٠م من كنيسة الملاك ميخائيل بكرمة كنج مريوط

قداسة البابا تواضروس الثانى

08 مايو 2020 - 30 برموده 1736 ش

القديس مار مرقس

ونحن نحتفل بعيد استشهاد مارمرقس الرسول، نحتفل في زمن القيامة الذي يأتي في شهر مايو، ونسمي شهر مايو "شهر القديسين"، ويقع بين شهري برموده وبشنس. وغدًا ٣٠ برموده تذكار استشهاد مارمرقس الرسول. وهذا القديس له معزّة خاصة في بلادنا، وله مكانة كبيرة في تاريخ المسيحية، وليس في التاريخ المصري فقط.

ماذا كانت مصر قبل مجيء القديس مارمرقس؟

مصر كانت محتلة من قِبَل الإمبراطورية الرومانية، والتي كانت تحتل مساحات واسعة من العالم القديم، وبقيت إمبراطورية قوية لمدة ٥٠٠ عام. وكانت تحتل العالم احتلالًا عسكريًا، بينما كانت الإمبراطورية السابقة (اليونانية) لازالت تحتل العالم ثقافيًا، فكان العالم كله مُحتًال من الرومان ولكن يتكلم اللغة اليونانية. واللغة اليونانية هي لغة العهد الجديد، وكانت اللغة المشهورة في الإسكندرية باعتبارها مدينة كوزموبوليتان، مدينة عالمية شاملة من كل الجنسيات. في ذلك الزمن جاء القديس مارمرقس ليبشر بالمسيحية، وفي ذوكصولوجية (التمجيد) القديس مارمرقس هناك عبارة جميلة نقف عندها وتكون محور تأملنا اليوم:

"يا مرقس الرسول، والإنجيلي، والشاهد لآلام الإله الوحيد الجنس. أتيت وأنرت لنا، بإنجيلك، وعلّمتنا الآب والابن والروح القدس. وأخرجتنا من الظلمة إلى النور الحقيقي، وأطعمتنا خبز الحياة الذي نزل من السماء".

مارمرقس كان يهوديًا من شمال أفريقيا، من الخمس مدن الغربية، ولا زال في ليبيا وادي مرقس ووادي الإنجيل ووادي الأسد، ولا زالت توجد آثار في هذه المناطق. كان له اسمان: يوحنا ومرقس. وكان اسم أبيه "أرسطوبولس"، وأمه "مريم"، وخاله "برنابا الرسول"، وكانت أسرته غنية ولها مكانة اجتماعية، وكانت أسرة مرتبطة بالله بدليل أن بيت مريم أمه صار أول كنيسة، وأن خاله برنابا كان مشهورًا في وسط الرسل، وهو الذي قدم بولس الرسول للتلاميذ الاثني عشر.

مارمرقس كان من السبعين رسولًا. ومعنى اسمه (مطرقة)، ونسميه (كاروز مصر)، ولذلك نطلق على كنيستنا كنيسة رسولية لأنها تأسست من خلال رسول، والإسكندرية نسميها الكرسي الرسولي، والكراسي الرسولية في العالم معدودة (أورشليم، الإسكندرية، إنطاكيا، روما، القسطنطينية – الخمس كراسي الرسولية في التاريخ المسيحية).

نبدأ بالفقرة الثانية من الذكصولوجية: "أتيت وأنرت لنا بإنجيلك، وعلمتنا الآب والابن والروح القدس، وأخرجتنا من الظلمة إلى النور الحقيقي".

 

أولًا: إنجيل مرقس

هذا الرسول كتب لنا "إنجيلًا" وهو أقدم الإناجيل كتابةً، وهو أقصر الأناجيل، وكتبه للرومان وهم أهل حرب لا يحبون الكلام الكثير، وهم أهل عمل لا آداب، ونرمز له برمز الأسد لأن الرومان أهل قوة. وفي أول الإنجيل عندما تكلم عن معمودية يوحنا المعمدان يقول «صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً»، فالصوت الصارخ تعبير عن الأسد. وفي حياة القديس مرقس الرسول قصة مع الأسد وانتصاره على الأسد في البرية. عندما قدم المسيح للناس من خلال الإنجيل، قدم المسيح الخادم، الذي استخدم قوته لخدمة الناس، لذلك في إنجيله نسمع عن معجزات كثيرة، والمعجزات المذكورة عديدة ومتنوعة وكلها بهدف إظهار القوة. أهم شيء في إنجيل مارمرقس البداية «بَدْءُ إِنْجِيلِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِ اللهِ»، والكثير من الآباء المفسرين يعتبرون هذه البداية هي العنوان. وعندما نقرأ في النسخ القديمة نجد هذه العبارة في سطر بمفردها، ثم يبدأ باقي الفقرة. بدء (بداية جديد)، إنجيل (بشارة سعيدة)، يسوع (مخلص)، المسيح (بالنسبة لليهود)، وابن الله (بالنسبة للأمم). وهذا الإنجيل مكتوب ليصل لكل الناس، يسوع هو المخلص عند اليهود (المسيا المنتظر)، ولكن بالنسبة للأمم غير المؤمنين هو ابن الله. ويذكر القديس مارمرقس في إنجيلة قصة الذي طَعَن جنب السيد المسيح، وعندما طعنه قال: «حقًا كان هذا ابن الله».

إنجيل معلمنا مارمرقس نصفان، النصف الأول يتنهي بالجزء الخاص باعتراف بطرس الرسول «أنت هو المسيح ابن الله الحي»، ولنلاحظ أن ما قاله بطرس الرسول "يماثل آيه البداية.

+ أتيت وأنرت لنا بإنجيلك: الإنجيل هو وسيلة نور لكل إنسان محتاج.

+ وأخرجتنا من الظلمة إلى النور الحقيقي: الإسكندرية في هذا الوقت كانت مدينة ذائعة الصيت، وأهم مدينة في أفريقيا، لا يوجد لها مثيل، انتشرت فيها العبادات الوثنية القديمة، والقديس مرقس أخرجنا من ظلمة الأوثان إلى النور الحقيقي الذي هو السيد المسيح، هذا هو الإنجيل.

 

ثانيًا: مدرسة الإسكندرية

+ علمتنا الآب والابن والروح القدس: هذه أكثر صيغة مختصرة للإيمان المسيحي التي هي إشارة الصليب. عندما جاء القديس إلى الإسكندرية أسّس لنا مدرسة لاهوتية، وتُعتبر أول مدرسة تقدم وتشرح الإيمان في العالم كله، وصارت إحد مدارس التفسير الكبيرة للكتاب المقدس. وكانت المدرسة اللاهوتية قائمة في أسلوب التعليم على الحوار (السؤال والجواب)، وهي من أهم وسائل التعليم حتى الآن، وهناك كنائس تبنت هذه الطريقة وقدمت كل الإيمان المسيحي في صورة سؤال وجواب.

+ علمتنا الآب والابن والروح القدس: أي علّمتنا الإيمان المُحدَّد، وهذه الطريقة في التعليم قديمة ولكنها عميقة، ويعيش الإنسان بها ويتعلم منها، لذلك نقرأ في تاريخ مدرسة الإسكندرية أنها خرّجت علماء، وغالبًا ما كان مدير المدرسة يكون البطريرك لكرسي الإسكندرية.. ولقب "بابا" بدأ في الإسكندرية وهي بمعنى (أب الآباء)، وبعد ذلك استخدمته كنيسة روما، ولكن اللقب نشأ في كرسي الإسكندرية أولًا.

 

ثالثًا: القداس الكيرلسي (المرقسي)

+ وأطعمتنا خبز الحياة الذي نزل من السماء: حين جاء مارمرقس لمصر، كان بمصر مناطق كبيرة لزراعة القمح وكانت سلة غلال اوروبا.. وعندما جاء يكرز باسم المسيح سلّمنا القداس الإلهي (خبز الحياة)، ليس الخبز العقلي فقط ( كلمة الإنجيل)، ولكن سلمنا أيضًا خبز الحياة (القداس). وكان القداس في صورته البكر الذي طوّره القديس كيرلس عمود الدين البابا الـ٢٤ ونسمّيه "القداس الكيرلسي". ونتذكر أن علية بيت مارمرقس كانت أول كنيسة في العالم، واستخدمها السيد المسيح في تأسيس سر الإفخارستيا. وهذا ما يجعلنا -كمسيحين- مهتمين جدًا بالتناول لأنه خبز الحياة. في هذا الزمن بسبب انتشار فيروس كورونا وبسبب انتشار العدوى الكنائس مغلقة عن أداء الصلوات المنتظمة مثل ما كان المعتاد، وذلك لفترة مؤقتة، ونصلي لكي لا تطول، وكلنا متشوّقين لنحضر القداس ونتناول خبز الحياة الذي يفرحنا وينقلنا من الظلمة إلى النور، ويساعد الإنسان أن يكون دائمًا في معية الله لأن «مَنْ يَأْكُلْ جَسَدِي وَيَشْرَبْ دَمِي يَثْبُتْ فِيَّ وَأَنَا فِيه».

 

رابعًا: الشهادة

+ يا مرقس الرسول والإنجيلي والشاهد لآلام الإله الوحيد الجنس: مارمرقس الرسول هو نموذج رفيع لنا، وندين له بالولاء، وهو كاروز بلادنا، ومؤسس كنيستنا. ولقب الأب البطريرك "بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية" ابتدأ من أول مارمرقس وامتدادًا لسلسلة الآباء الطويلة حتى الآن رقم ١١٨. كل أب هذه السلسلة كأنه مارمرقس، لأننا نقوم بعمل مارمرقس. بطريرك الكرازة المرقسية يكمل عمل مارمرقس. وعندما زار البابا شنوده أمريكا اللاتينية قال: "إن مارمرقس وصل حتى أمريكا اللاتينية". مارمرقس جاء وأسس الكنيسة هنا، واُستُشهد على أرض مصر، ولذلك نقول عنه: "الشاهد لآلام الإله الوحيد الجنس". وقد انضم لرسولين أكبر منه (بولس وبرنابا) وخدم معهما في الرحلة الأولى لبولس الرسول، ولكن فارقهما عند بمفيلية. وفي الرحلة الثانية رفض بولس الرسول أن يأخذه معه، فأخذه برنابا وبشرّا في قبرص، وخدم مارمرقس في بلاد كثيرة، وتُعتبر قبرص تابعة للكرازة المرقسية، ولنا كنائس وآباء يخدمون فيها، ويُشرف عليها نيافة الأنبا بافلوس.

وفي نهاية حياة بولس الرسول قال عن مارمرقس: «خُذْ مَرْقُسَ وَأَحْضِرْهُ مَعَكَ لأَنَّهُ نَافِعٌ لِي لِلْخِدْمَةِ»، وهذه هي شهادة بولس الرسول عن مارمرقس. وبعد نياحة خاله ذهب للخمس مدن الغربية في شمال ليبيا على ساحل البحر الأبيض (تابعة لإيبارشية البحيرة مسئول عنها نيافة أنبا باخوميوس مطران البحيرة ومطروح والخمس مدن الغربية).

بعد هذه الرحلة بدأ يبشر في الإسكندرية، وحول المدينة من الوثنية للمسيحية، فهاج الوثنيون وقبضوا عليه، وتعرض لعذابات كثيرة، وتناثر دمه في شوارع الإسكندرية التي رُويت دمه. وفي سنة ٦٨م في اُستُشهد القديس مارمرقس الرسول، وسُرِق جسده إلى فينسيا، ولكن ظلّت الرأس موجودة في مصر. وفي سنة ١٩٦٨م (بعد ١٩ قرنًا من استشهاده) أرسل البابا كيرلس وفدًا من الآباء المطارنة والأراخنة، وتقابلوا مع البابا بولس السادس، وقدم لهم جزءًا من رفات القديس مارمرقس الرسول، ورجع هذا الجزء واستقبله البابا كيرلس ووضعه في المزار في الكاتدرائية في العباسية في القاهرة. ومنذ أربع سنوات تقريبًا صلينا أول قداس قبطي في كاتدرائية سان مارك في فينيسا، وصلينا هناك في تاريخ عيد القديس أثناسيوس الرسولي (٧ بشنس) وأخذنا بركة القديس مارمرقس والقديس أثناسيوس.

لولا القديس مارمرقس ما كانت المسيحية في مصر، فهو زرع بذرة، ووضعها بإيمان ومحبة ورجاء، ولذلك أثمرت وأكثرت وملأت الأرض وكل العالم. ومن مصر ظهرت الرهبنة المسيحية وانتشرت رائحتها الزكية إلى كل العالم من خلال كرسي الإسكندرية. وكنيستنا كنيسة رسولية، سرائرية، تقليدية، محافظة، ومازلنا نحمل الإيمان المستقيم (الأرثوذكسية) من أيام السيد المسيح حتى اليوم وإلى المنتهى، لذلك كرسي الإسكندرية وكنيسة الإسكندرية مع قدمها هي راسخة في إيمانها وعقيدتها وتقليدها، كما قالت النبوة «عَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا».

ربنا يحفظكم ويباركنا كلنا بشفاعة هذا القديس العظيم، ويعطينا نعمة في حياتنا وفي كنيستنا وفي خدمتنا وفي بلادنا، لإلهنا كل مجد وكرامة من الأن وإلى الأبد آمين.


  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx