اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 4829 مايو 2020 - 21 بشنس 1736 ش     العدد كـــ PDFالعدد 19-20

اخر عدد

بين فكر الله وفكر الإنسان

نيافة الأنبا بنيامين أسقف المنوفية

29 مايو 2020 - 21 بشنس 1736 ش

أبدأ بالآية «لأن مَنْ عرف فكر الرب؟ أو مَنْ صار له مشيرًا؟» (رو11: 34)، وهنا يكشف الكتاب عن الفارق الكبير بين معرفة الله ومعرفة الإنسان، وبين صلاح الله وصلاح الإنسان، وبين قداسة الله وقداسة الإنسان، ورؤية الله ورؤية الإنسان... وهكذا نرى بوضوح شديد تميُّز الله في صفاته المطلقة، وصفات الإنسان المحدودة والقاصرة..

لذلك يحتاج الإنسان إلى التقرُّب إلى الله لكي يقوده فكريًا، وبالتالي يستفيد من فكر الله.. من هنا جاءت فكرة «لأن كل الذين ينقادون بروح الله فأولئك هم أبناء الله» (رو8: 14)، بمعنى انتماء الإنسان لله وارتباطه به واحتياجه لقيادة روح الله له، حتى يتغير فكر الإنسان ليأخذ فكر الله ويعيش به. وممكن أن نشبّه الفرق بين فكر الله والإنسان، بالفرق بين الطبيب ومريضه، وبين فكر المعلم وتلميذه، وبين فكر الأب وابنه الطفل الصغير، وبين فكر القائد المدبّر حسنًا ومَنْ ينقاد به.. وهكذا يشعر الإنسان باحتياجه لفكر الله، يطلبه في الصلاة، ويتعرف عليه من الكتاب المقدس.

ولكن كيف يستفيد الإنسان من فكر الله؟ وكيف ينال هذا الفكر؟ وما هي وعود الله في ذلك؟

وأبدأ بوعود الله:

1- «وأعطيهم قلبًا واحدًا، واجعل في داخلكم روحًا جديدًا، وأنزع قلب الحجر من لحمهم، وأعطيهم قلب لحم» (حز11: 19)، والمقصود هنا التغيير الذي يحدث في القلب من الداخل، الذي منه جميع مخارج الحياة. وهذه إمكانية لا يملك إعطاءها إلّا الله فقط. وهذا القلب الجديد والروح الجديد يمنح الإنسان إمكانية الفكر الجديد، بل الطبيعة الجديدة في المعمودية، والفكر المتجدد الذي يدوم.

2- وعد آخر «لأنه ينجيك من فخ الصياد ومن الوبأ الخطر، بخوافيه يظلّلك وتحت أجنحته تحتمي» (مز91: 3-4)، ومكتوب أيضًا «لأنه بجناحيه يظلّلك، وتحت جناحيه تحتمي» ( مز91).. أي أن الطائر بخوافيه (وهي منطقة البطن بما فيها من ريش ناعم) يخفي صغاره ويعطيهم الدفء والحنان والاطمئنان، فيحميهم من الحشرات الصغيرة ومن المخاطر المحيطة. والله يشبّه نفسه بهذا الطائر ويقدم هذا المثال الحقيقي والطبيعي لكي نشعر كأبناء لله بمدى حرصه على حمايتنا وحفظنا، فلا تستطيع أي قوى شريرة أن تضرّنا أو تؤذينا. هذه الثقة في الله تقودنا في كل الظروف المحيطة بنا والمتغيرة والمتلاحقة، منها الطبيعي كالوبأ، ومنها بسبب خطايانا. ومن صلواتنا في القداس الإغريغوري: "ربطتني بكل الأدوية المؤدية إلى الحياة" ويقصد أدوية روحية كالتوبة وطاعة كلمة الله، وما قدمته الكنيسة لنا من أسرار مقدسة تُحيينا. وهكذا نختبر إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة (رو12: 2)؛ والإرادة هي تلاقي الفكر مع المشاعر، فتكون الإرادة والمشيئة المقدسة كثمرة حقيقية للسلوك الروحي المقدس والمفرح.

مما سبق نرى فكر الله من حيث وعوده المملوءة محبة للإنسان، والتي بها يعبّر الله عن محبته للإنسان، ومدى رغبته أن يقود المؤمن فكريًا وروحيًا وإراديًا، في كل وقت وفي كل مراحل حياة الإنسان، منذ ميلاده وفي صباه وشبابه وحتى شيخوخته، ويبقى لخلاصه مدى طاعته وخضوعه لإرادة الله وفكر الله، وكل هذا لينعم بمحبة الله وحراسته له وحفظه من شرور العالم وحروب الشيطان وباقي ضغوط العالم والمجتمع عليه، وسيبقى فكر الله مضيئًا من خلال الأب الروحي الذي يرشد ويقود ويوجه دائمًا.


  •  
  • |



 
 

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx