اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 4813 نوفمبر 2020 - 4 هاتور 1737 ش     العدد كـــ PDFالعدد 43-44

اخر عدد

نصيبهم في حياتهم

نيافة الانبا يوسف أسقف جنوب الولايات المتحدة الأمريكية

13 نوفمبر 2020 - 4 هاتور 1737 ش

يوجد سؤال شائع طرحه العديد من رجال الكتاب المقدس بصور مختلفة: «أبرُّ أنت يا رب من أن أخاصمك، لكن أكلمك من جهة أحكامك. لماذا تنجح طريق الأشرار؟ اطمأن كا الغادرين غدرًا. غرستهم فأصلوا. نموا وأثمروا ثمرًا» (إر12: 1-2)؛ «لماذا تحيا الأشرار ويشيخون، نعم ويتجبرون قوة؟ نسلهم قائم أمامهم وذريتهم في أعينهم. بيوتهم آمنة وليس عليهم عصا الله. ثورهم يلقح ولا يخطئ. بقرتهم تنتج ولا تسقط... يقضون أيامهم بالخير» (أي21: 7-13)؛ «لأني غرت من المتكبرين إذ رأيت سلامة الأشرار. لأنه ليست في موتهم شدائد وجسمهم سمين. ليسوا في تعب الناس ومع البشر لا يصابون» (مز73: 3-5).

مِن السهل على دارس العهد القديم أن يدرك لماذا حيّرت هذه المعضلة الوجودية قلوب أيوب وإرميا وداود. فالبركة التي وعد بها الله شعبه إن حفظ وصاياه، والموجودة في تثنية 28، تنصّ على مباركة ثمرة البطن والأرض والبهائم والسلّة والمعجن والخزائن وكل ما تمتد إليه اليد. أما كاسر الوصايا والفرائض فتدركه اللعنات التي هي النقيض التام للبركات! من هنا صار أمر بديهي لدى أناس العهد القديم أن يستدلّوا على برّ الشخص ورضا الله عنه من البركة أو اللعنة الموجودة في حياته. وهذا الاستدلال بعينه هو الذي كان يُلحق العار والخزي بكل عاقر، أو مولود أعمى، أو معوق... إلخ بالتالي، كان أمرًا صعبًا على رجال الله أن يستوعبوا كيف تنكسر القاعدة مع أشرار على الرغم من كون شرهم واضح إلا أنهم يتمتعون بكل خيرات وبركات!!

والحقيقة أن هذه المعضلة لم تشغل فقط رجال الله الأتقياء في العهد القديم، ولكنها ظلت تحيِّر أيضًا القديسين على مرّ العصور حتى يومنا هذا. فالكثيرون في ضيقهم يتكئون على صدر يسوع حبيبهم سائلين إياه في مرارة الغيرة: «لماذا تنجح طريق الأشرار؟» هنا يأتي ردّ الوحي الإلهي على لسان داود النبي في صيغة قانون من قوانين الملكوت الثابتة ونصه: «نصيبهم في حياتهم» (مز17: 14)!! هذا القانون بعينه هو الذي استعمله إبراهيم أب الآباء في ردّه على الرجل الغني الذي كان يتنعّم كل يوم مترفِّهًا فقال له: «يا ابني اُذكر أنك استوفيت خيراتك في حياتك وكذلك لعازر البلايا، والآن هو يتعزى وأنت تتعذب» (لو16: 25). واستعمله أيضًا السيد المسيح حينما تكلم عن استيفاء المرائين لأجرهم في صورة مديح الناس: «الحق أقول لكم إنهم قد استوفوا أجرهم» (مت6: 16،2)، وحذرنا من استنفاذ أجرنا في الباطل قائلًا: «وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم الذي في السموات» (مت6: 1).

فالله جزيل العدل والإحسان يوفي الأجرة للجميع، الأشرار منهم والأبرار. لكنه يترك لكل واحد أن يختار نوع الأجرة التي يبتغيها قلبه: أن يستوفي أجره إمّا بعملة الخيرات الأرضية، أو بعملة البركات السماوية الملوكية. فالواحد يأخذ نصيبه في حياته هنا، والآخر يختار النصيب الصالح هناك. ومن يستوفي هنا، يستقرض هناك فلا يجد من يقرضه! ليتنا نتشبّه بالقديسين الذين هربوا من الزهو، والمديح، والكرامة، والتنعم، والغنى، والملذات كمثل هروبهم من الحية، ونطلب باجتهاد نصيب حاملي الصليب الغالبين في ملكوت السموات هاتفين مع المرنم قائلين: «نصيبي هو الرب قالت نفسي» (مراثي3: 4)؛ «الرب نصيب قسمتي وكأسي. أنت قابض قرعتي» (مز16: 5).




  •  
  • |



 
 

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx