اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 4825 ديسمبر 2020 - 16 كيهك 1737 ش     العدد كـــ PDFالعدد 49-50

اخر عدد

مسألة اختيار

قداسة البابا تواضروس الثانى

25 ديسمبر 2020 - 16 كيهك 1737 ش

ونحن نودّع عامًا مضى ونستقبل عامًا جديدًا بكل التفاؤل والأمل، ونسترجع ذكريات الحياة التي مرت علينا بكل مشاهدها وصورها، وما كان فيها مُرًّا وما كان فيها لُبانًا وما كان فيها ذهبًا.. نجد أن حياتنا مكونة من مئات الاختيارات التي نتخذها كل يوم، وكأننا نحيا ونعيش تلك الاختيارات. وبمعنى آخر إننا نحدد اختياراتنا أولاً، ثم اختياراتنا تصنعنا، وتؤثر علينا، وتحدد مسيرة حياتنا، وتوصّف شخصياتنا...

إننا يمكن أن نختار أن نحب أو نكره، كما يمكن أن نختار أن نتحلى بالصبر والعطف والرحمة، وألّا نكون حساسين بزيادة. كذلك يمكننا أن نسامح ولا نترك أيّة ضغائن في قلوبنا، أو نختار الانغماس في البرّ الذاتي والنقد والحُكم على الآخرين روحيًا في كبرياء وتحامل وتشهير وتشويه الآخرين بأفكارنا وكلامنا. إن الكراهية وعدم التسامح هما اختيار لا يؤدي إلّا إلى تقييدنا داخليًا، وليس الشخص المُساء إليه.

على نفس المنوال يمكن أن نختار التعلُّم والفهم أكثر لأمور حياتنا وخدمتنا، وأن نتعلم من أخطائنا أو نتمادى في أيّ خطأ دون أن نراجع أنفسنا بشفافية وانتباه، ونكون سببًا في عثرة الآخرين. يمكننا أن نعيد التفكير في أمر أخذناه على أنه هو الصواب، ثم نكتشف ونكتسب رؤية جديدة تجعلنا نتحول عمّا فكرنا فيه إلى ما هو أفضل.

أيضًا يمكن أن نختار الكلمات التي علينا أن نقولها فتكون كلمات: تشجع وترفع وتُفرح وتثبّت أي شخص أمامنا، ويمكن أن نستمد هذه الكلمات الإيجابية من أسفار الكتاب المقدس، ونزرعها في قلوب الآخرين لتثمر ثمارًا ثلاثين وستين ومائة.

وبالمثل يمكن أن نختار أن نصلي أو لا نصلي. نصلي من أجل العالم والضيقة الحاضرة فيه –الجائحة– والذين يعملون على حمايتنا من مسئولين وأطباء وأطقم تمريض وإنتاج أدوية وأمصال وسائر الأجهزة التي تحتاجها المستشفيات. أن نصلي من أجل توفير الماديات لمن تأثروا في أعمالهم. كذلك أن نصلي من أجل الآباء والخدام والخادمات والذين يكرزون بالكلمة حول العالم، لكي يعطيهم الله كل حكمة في التعليم والوعظ والخدمة، وأن يوفر لهم الموارد التي تساعدهم في عملهم. أمّا إذا اخترنا عدم الصلاة بل الالتجاء إلى الكلام الكثير بين البشر وملاحقة الأخبار من هنا ومن هناك وإضاعة الوقت فيما لا يفيد، فكم من النفوس ستخسر الأبدية؟!! يقولون عن الوقت الذي نصلي ونتشفّع فيه إلى الله إنه "الساعة التي تغيّر العالم".

ومسألة الاختيار مسألة خطيرة، ويمتلئ الكتاب المقدس بعشرات من المشاهد التي تبيّن قيمة الاختيار وآثاره.. فمثلاً وقت ولادة موسى النبي والمنشور الذي صدر لقتل كل مولود ذكر (خروج 2)، وحالة البكاء والدموع والألم التي عمّت بيوت العبرانيين، ولكن كان هناك أُمٌّ مختلفة، حيث نظرت ابنها الرضيع مملوءًا بالحياة والأمل، وتذكرت كيف أن الله اعتنى بأجدادها في الأوقات الصعبة التي مرّت عليهم، وكيف اجتازوا كل المحن.. واتخذت قرارًا غيَّر مصير موسى الطفل ومصير الشعب اليهودي كله!!... إن "اختيار أُم" أنقذ الطفل موسى من الموت في مقبرة، ودفعه إلى قصر الملك فرعون مصر، ليتربّى ويعيش ويتعلم هناك، ويقوم بدوره العظيم الذي نقرأه في سفر الخروج بالعهد القديم.

أيضًا يوسف الصديق الذي اختار أن يرى يد الله في كل ضيقة، اختار أن يهرب ويتحدث بالصواب، واختار أن يسامح حتى قبل أن يأتي إخوته إليه، واختار أن يخدم الله في كل مكان يذهب إليه: كعبد، وكسجين، ومسئول كبير في مصر.. وعندما كان مجردًا من كل حرية، اختار موقفه المليء بالإيمان والحب. اختار أن يثق في الله، ومَنْ معه الله لا يفشل أبدًا مهما كانت الظروف.. لقد اختار الحق فكان كل ما يفعله ينجح لأن الله كان معه.

إن اختيارات الآباء والأمهات تحدّد مصائر أبنائهم وأحفادهم، كذلك اختيارات المدرّسين والمعلّمين تؤثّر على مصير التلاميذ بطرق قد لا نفهمها تمامًا في هذه الحياة... وهكذا فإن اختياراتنا لا تخصّنا وتؤثر فينا فقط، وإنما تخصّ أيضًا حياة الآخرين المسئولين منّا.

ونفس الشيء نراه في أحداث ميلاد ربنا يسوع المسيح، إذ اختارت مريم العذراء موقف التسليم القلبي بلا انزعاج قائلة للملاك «هوذا أنا أمة الرب ليكن لي كقولك» (لوقا 1: 38). وكذك يوسف خطيبها البار الذي اختار الطاعة والحكمة (متى 1: 18-25). وهكذا الرعاة الذين كانوا في حراسات الليل اختاروا الاستجابة لرؤية الملاك لهم، وذهبوا مسرعين إلى مذود بيت لحم (لوقا 2: 8-20). وأيضًا المجوس القادمون من المشرق اختاروا الحضور ومعهم هداياهم، وقد تحمّلوا مشقة السفر، وكان بإمكانهم البقاء في بلادهم والاكتفاء برؤية النجم السماوي (متى 2: 1-12).

والخلاصة أن اختياراتنا ومواقفنا تحدّد أفعالنا ومصائرنا. بولس الرسول علّمنا أن نختار الفرح في كل حين وفي كل ظرف (فيلبي 4:4)، وداود والبهجة الروحية «كل نَسَمة فلتسبح الرب» (مزمور 150: 6)، كلما تتنفس فلتسبح الرب وتشكره، وتسلك في العام الجديد بسلوك التسبيح.. اختر التسبيح..

عام سعيد وميلاد مجيد لجميعكم.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx