اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 4912 فبراير 2021 - 5 امشير 1737 ش     العدد كـــ PDFالعدد 5-6

اخر عدد

قراءة التاريخ ودراسته (2)

القس باسيليوس صبحى

12 فبراير 2021 - 5 امشير 1737 ش

معنى كلمة تاريخ:

كلمة "تاريخ" في بعض اللغات الأوروبية ومنها في اللغة الإنجليزية History مشتقة من الكلمة اليونانية ƒστορία هيستوريا، وتعني تعلّم ذلك النوع من فن الكتابة الذي مارسه المؤرخ اليوناني القديم هيرودوت Ἡρόδοτος (480-425 ق.م) (1). وكانت تعني حسب تعريف الفيلسوف Ἀριστοτέλης أرسطوطاليس (384-322 ق.م): سردًا مُعينًا لمجموعة من الظواهر الطبيعية، أو تعني في جذرها اللغوي اليوناني (الرؤية). حيث أن كلمة ίδτωρ في الأساطير اليونانية القديمة كانت إشارة للشخص الذي يمتلك معرفة عن موضوع ما معرفة جيدة، أو كان شاهد عيان لحدث ما؛ ومن ثَمّ فهو الحكم أو القاضي. تم تغيير الحرف الساكن "δ" في بداية الكلمة إلى حرف "σ" قبل الحرف السني "τ"، فصارت الكلمة ίστωρ التى تعني أعرف، المعرفة الناتجة عن الرؤية والمشاهدة أو الاستقصاء بقصد المعرفة (2).

ومع مرور الزمن صارت كلمة Scientia اللاتينية أو Science الإنجليزية تستخدم لتعني السرد المنظم غير المرتب ترتيبًا زمنيًا للتعبير عن المعرفة بالظواهر الطبيعية، في حين اُختُصت كلمة History بسرد الحوادث الإنسانية، الاجتماعية، المرتبة زمنيًا chronology (3) أي بالترتيب التاريخي المُنظم.

وفي تعريف أكثر شيوعًا صارت كلمة التاريخ بمرور الزمن تعني "ماضي الإنسانية". وفي اللغة الألمانية صارت لفظة Geschichte المشتقة من الفعل  Geschchen تعني "يحدث" فكلمة التاريخ في هذه اللغة معناها (ذلك الشيء الذي حدث).

ومن المهم والمفيد أن نعرف أن معنى لفظة "التاريخ" في اللغة العربية عند الشرقيين لم تكن مطابقة في معناها لكملة History في أوروبا عند الغربيين؛ وذلك لأن القضايا الفلسفية المتصلة بفكرة التاريخ هي من تطورات الفكر الغربي الحديث، وهي تختلف كليًا عن مفهوم التاريخ عند معظم مؤرخي الشرق بالرغم من الرابطة الآلية بين التعبيرين.

فمن الشرقيين، مثلاً: ابن خلدون (توفي 1406م) يُعرِّف علم التاريخ بقوله: "التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال، وتشد إليه الركائب والرحال، وتسمو إلى معرفته السوقة (عامة الشعب) والأغفال (الجهلة)، وتتنافس فيه الملوك والاقبال (الرؤساء)، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال"، ويكمل بقوله: " وهو ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول. والسوابق من القرون الأُوَل... وشان الخليقة وكيف تقلبت بها الأحوال، واتسع للدول فيها النطاق والمجال، وعمّروا الأرض... وحان فيهم الزوال. كما أعلن أن التاريخ في باطنه نظر وتحقيق، وتعليل لكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق. فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعد في علومها وخليق" (4).

ومن الغربيين يذكر جوزيف هورس (1896-1963م) في كتابة: "قيمة التاريخ"، أن لكلمة Histoire في اللغة الفرنسية معنييْن يصعب التمييز بينهما عادة. فمن جهة يتناول معناها مجمل الحوادث الملحوظة التي تجلّت فيها حياة البشرية، وتتجلى فيها اليوم، وستتجلى فيها غدًا؛ ومن جهة أخرى يعني معرفتنا إياه. ومع أن هذا المعنى جاء لاحقًا على المعنى الأول. فإنه هو الذي فرض نفسه على الناس أولاً، ودخل لغاتهم. والشيء المهم –يُكمل ج. هورس- هو النهج الذي يمضي فيه المؤرخ في رسم لوحة عن معرفته بتسلسل الحوادث البشرية في مجرى الزمن، برصانة فائقة وبشرط التأكد منها، كما أن التاريخ يعني أن ما سيظهر من أحداث مرتبط بما سبق، وهذا أساس النظرة الحديثة المستقبلية في دراسة التاريخ باسم Futurology.

ومن هنا لا بد أن نشير إلى الالتباس الحاصل على مفهوم لفظة "التاريخ". فهي تُطلق عند البعض على الماضي البشري ذاته، بينما عند البعض الآخر تطلق على الجهد العقلي المبذول لمعرفة ذلك الماضي ورواية أخباره، أو العلم المعني بهذا الموضوع. ويبدو أن الذهن البشري -بدون تعمد- ينتقل بين المعنيين دون تمييز دقيق بينهما، ولعل هذا الالتباس جاء نتيجة استخدام الفاظ (History Histoire--Geschichte) للمعنيين على السواء، إذ يُراد بكل منها أحيانًا حوادث الماضي وأحيانًا أخبار هذه الحوادث، أو العلم الذي يحققها.

وبسبب هذا الاختلاف في مفهوم الكلمتين، الفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريك هيجل (1770-1831م) لجأ إلى استخدام اللغة اللاتينية ليميّز بين (Regestae) أي (مُلخص) و(rerum gestarum Histoire) أي (تاريخ الأحداث). وذكر هيجل أن الألمان يفرقون عادة بين التاريخ Historik بمعنى تجميع الأخبار والحوادث، وبين Geschichte أي التاريخ الذي لا بد فيه من وجة نظر شاملة عن معناه وغايته.

وفي الإطار ذاته حاول بعض المعنيين الغربيين محاولات شتى للتمييز بين المفهومين. فأطلق بعض الفرنسيين مثلا (Histoire) بحرف (H) الكبير على الماضي، و(histoire) بحرف (h) الصغير على العلم أي الفكر التاريخي والمعرفة التاريخية. كما احتفظ بعض الألمان بـ(Geschichte) للمعنى الأول و(Histoire) للمعنى الثاني.

ومع ذلك، ظل هذا الالتباس قائمًا، ولعله ناتج عن شعور متأصل في الإنسان في الربط الدقيق بين معرفة الماضي من جهة والماضي ذاته من جهة أخرى. وفي النهاية أختم بكلمات هنري إيرينى مارو  Henri-Irénée Marrou في كتابه المعرفة التاريخية (1979م): "إن التاريخ ليس سردًا لأحداث الماضي ولا عملا أدبيًا لكتابة الماضي الإنساني، إن التاريخ هو معرفة علمية ينشئها المؤرخ عن ذلك الماضي، معتمدًا على منهج علمي صارم ودقيق، هدفه الكشف عن حقيقة هذا الماضي".

ولعل من أشهر مؤرخي القبط المحدثين الذين حاولوا أن يكون سردهم التاريخي متسق مع منهج Marrou الأستاذ نبيه كامل داود (1937-2010م) مدرس التاريخ الكنيسة بالكلية الإكليريكية بالقاهرة، الذي أثرى المكتبة القبطية بالعديد من الأبحاث التاريخية سواء عن الإيبارشيات أو الكنائس الأثرية والقديمة.

يتبع

(1) هنري چونسون، تدريس التاريخ، ترجمة أبو الفتوح رضوان، طبعة دار النهضة العربية، القاهرة 1965م، ص 4.

(2) د. اسحق عبيد، معرفة الماضي من هيرودوت إلى توينبي، القاهرة 1981م، ص 1.

(3) مصطلح أصل تسميته من الكلمة اليونانية   Χρόνοςأي الزمن ومنها جاء علم chronology أي تسلسل الأحداث أو تأريخها.

(4) ابن خلدون، المقدمة، المجلد الأول، دار الكتاب اللبناني للطباعة والنشر، الطبعة الثانية، بيروت 1979، ص 2-3.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx