اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 4927 أغسطس 2021 - 21 مسرى 1737 ش     العدد كـــ PDFالعدد 33-34

اخر عدد

بمناسبة الاحتفال بسبعين عامًا على نياحه القديس الأرشيدياكون حبيب حبيب جرجس

نيافة الأنبا مارتيروس الأسقف العام

27 أغسطس 2021 - 21 مسرى 1737 ش

لم يتوقع الطفل الصغير حبيب جرجس، أن يفارقه أبوه وهو في سن السادسة من عمره، كان التوقيت في عام 1882م حيث غادر الأب جرجس أفندي هذه الدنيا إلى السماء تاركًا زوجة حزينة، وثلاثة أبناء وبنتًا واحدة، وكان حبيب هو الأصغر فيهم، وكان على هذه الأم التي أتت من مدينة بهجورة بصعيد مصر أن تتعامل مع التجربة بأكثر حماس ومرونة، حتى يتكيف الأطفال الصغار على واقع جديد، قد يكون الأصعب عليهم وعلى هذه الأم، فهي الآن لا تملك غير معاش زوجها الذي كان يعمل في مصلحة محاربة الرق بنظارة الداخلية، وكان الأب قد ألحق أبناءه بمدرسة الأقباط الكبرى بالكاتدرائية المرقسية القديمة، تحت رعاية القديس البابا كيرلس الخامس، الذي ارتبط بهذه الأسرة، والتي كانت تواظب على حضور القداسات والصلوات بالكاتدرائية، وأصبح حبيب الطفل شماسًا فيها.

وعندما أكمل الطفل حبيب تعليمه في هذه المدرسة متفوقًا، جاء عام 1892م، وقد قرر البابا أن يفتتح المدرسة الإكليريكية الجديدة، وكان من أوائل الملتحقين بها، ومن ضمن الطلبة المتفوقين وعددهم اثناعشر طالبًا، من بعد ما تقدم أربعون منهم. كان حبيب أكثرهم حماسًا وحبًا لمجال الدراسة هذه المدرسة الإكليريكية، فارتوى بتعاليم الكنيسة، وعشق ألحانها وتراثها، ووجد نفسه أمام صرح هائل من الموروث الحضاري والمخزون الإيماني العظيم، الذي أُهمِل منذ عدة قرون بسبب حال الكنيسة المتردّي منذ خمسة قرون مضت، بسبب متغيرات الحياة السياسية عبر الأزمنة من جماعات المماليك والعثمانيين. وقد انفتحت بصيرة الطالب حبيب جرجس على طريق الإصلاح، الذي كان يهدف إلى استدعاء الكنوز المعرفية الإيمانية والحضارية لأبناء مارمرقس الإنجيلي، واستعادة مكانة الكنيسة القبطية وسط كنائس العالم، حيث قال في إحدى المرّات: "لمّا كانت مدرسة الإسكندرية زعيمة العالم في العلوم والمعارف، وأستاذة الدنيا في كل شيء، كانت الكنيسة القبطية زعيمة الكنائس في العالم"، إنه حب متدفق لكنيسته القبطية.

لقد كانت حياة التقوى مصاحبة لكل أعمال حبيب جرجس وأنشطته، فعندما انجذب لأبوة البابا كيرلس الخامس تتلمذ على يديه، وشخصية البابا كيرلس الخامس غنية عن التعريف في القداسة والوقار والحب واحتمال آلام الرعية. وكان تردُّد أسرة حبيب على الكاتدرائية القديمة ومقابلة الأطفال مع البابا، يهوِّن عليهم الكثير والكثير من وحدتهم، وشعروا بالأبوة الحانية، فارتبط حبيب بشخص البابا، وتتلمذ على يديه بطريقة عفوية أرادها الله لقصد ما يختفى فى إرادته العليا، فتقرّب حبيب من البابا أكثر وأكثر على الأخص لما التحق بالإكليريكية، وتفوق على أقرانه كل عام، حتى أن ناظر المرسة يوسف بك منقريوس جعله معاونًا له ومدرسًا لمادة اللاهوت وهو بعد طالب، بل كان حبيب يدير أمور المدرسة وقت غياب ناظرها، فكان حبيب يطرح على البابا آماله وأحلامه تجاه انتشار التعليم وتثبيت الإيمان من خلال حجري الأساس وهما الإكليريكية ومدارس الأحد، فكان البابا يشجعه كثيرًا ويثني عليه ويبارك مجهوداته، فوضع حبيب تصورًا مدعومًا بنعمة الروح القدس لإنقاذ الكنيسة، واستطاع أن يشتري أرضًا يبني عليها المدرسة الإكليريكية، وبالفعل تم شراء أرض مهمشة عام 1901م، لكن يجب أن نعرف كيف أتت هذه الأرض؟ إنه مجهود بذل فيه حبيب كل مجهوده في إيقاظ همة الأقباط في المساعدة لأجل مستقبل كنيستهم، فتجاوب معه الآباء المطارنة والأساقفة في الإيبارشيات والعائلات والأفراد، وتمجد الله ببدء الدراسة المنتظمة بها طيلة خمسين عامًا متصلة، وكان كل أنشطة ولجان مدارس الأحد تنعقد فيها.

ويجب أيضًا أن نعلم ما هو الدافع الذي اشتعل في قلب حبيب أن يهتم بالأطفال؟ بالتأكيد لأنه عرف أن هؤلاء الأطفال هم مستقبل الكنيسة، إن عظامهم ستشتد في كنف التعليم الأرثوذكسي القويم، إذًا لابد من الاهتمام بهم لترتاح أحشاء الكنيسة.

كان حبيب يكبر وإخوته كذلك، وكانت حياة التقوى تغلب على حياتهم الخاصة، فلم يرغب أي منهم في الزواج بل رغبوا في حياة التبتل والعذراوية للمسيح وخدمته. كان البابا كيرلس الخامس يطلق على حبيب إنه راهب، وكانت مرثا أخت حبيب دائمة المواظبة على الصلوات الكنسية بالكاتدرائية القديمة. وكان كامل أخوهم خادمًا كنسيًا يشارك بالمقالات وتأليف الكتب الروحية، يعيش الكلمة بوجدانه ومشاعره. وكان غالي المسكين دائم المرض فتنيح في عام 1934م. وُصِف بيتهم الذي كان في شارع القبيصي بحي الظاهر بالقاهرة، بأنه كان هادئًا دائمًا لا يُسمَع فيه صوت، غير أن الصلوات الخاصة لكل منهم كانت قانونًا روحيًا يسير كل منهم عليه، غير أن البيت كان يمتلئ من الضيوف الوافدين من آن إلى آخر، حيث كان معظمهم من آباء وخدام مدارس الأحد، فقد كان الأرشيدياكون حبيب جرجس الأب الروحي لجموع الإكليريكيين وخدام مدارس الأحد التي انتشرت في جميع أنحاء الإيبارشيات في القطر المصري بل وفي السودان الشقيق أيضًا، حيث قام الأرشيدياكون بمصاحبة قداسة البابا كيرلس الخامس في رحلته إلى السودان عام 1905م، وتأسيس كنيسة الخرطوم ومن ثَمّ تأسيس مدارس الأحد، ودعوة الشباب السوداني للالتحاق بالمدرسة الإكليريكية بمهمشة. وفي رحلة أخرى لإثيوبيا مع البابا يوأنس التاسع عشر عام 1929م، أسّس هناك الأرشيدياكون حبيب جرجس مدارس الأحد، بمباركة الإمبراطورة زوديتو زوجة الأمبراطور تفري، مع دعوة الإثيوبيين للتعلُّم في الإكليريكية بمهمشة.

كان الأرشيدياكون حريصًا على خدمة التعليم الكنسي، ومتفرغًا لخدمة الكلمة، حتى أنه قال "وضعت نفسي وشبابي وقوتي وحياتي ومحبتي في خدمة المدرسة الإكليريكية". إنه إصرار وتحدٍّ للصعاب، أنجب كنيسة قوية، ونحن نعيش في خيرها، وكانت شجرة الخدمة التي غرسها الأرشيدياكون حبيب جرجس لها فروع أثمرت الثمار الجيدة، فقد اهتم بإنشاء الكنائس، والجمعيات الأهلية، والخدمات الإنسانية كخدمة القفراء إخوة الرب، والمستوصفات، والمدارس، ودور الحضانة، والنوادي الكنسية، وخدمات الأنشطة للأطفال والشباب، كالكورال، والكشافة، والمسرح الكنسي، وخدمة الشباب والجامعيين والحرفيين. وكانت خدمة البنات لها نفس المشاركة، وكان هو صاحب فكرة النهضات الروحية في صوم السيدة العذراء مريم، ونهضات القديسين والشهداء، وهو صاحب فكرة خدمة الأماكن النائية من القرى والنجوع والمناطق الصحراوية، ذلك بإرسال طلبة الإكليريكية هناك أو بالخريجيين منها أو بالخدام المكرسين؛ وهذه فكرة أخرى وهي فكرة التكريس. إن هذا الاشتعال الذي توهّج في حياة الكنيسة المعاصرة، أثمر أيضًا المعرفة بالحياة الرهبانية، ومحبة كثير من الراغبين من الشباب للعيش فيها، والذهاب إلى الأديرة للترهُّب وتكريس الحياة لله. لقد تعب الأرشيدياكون كثيرًا من أجل تغيُّر حال الكنيسة، حتى أن قال: "جهود أضنت صحتي وهدّت قواي، مع ذلك لا تخلو حياتي يومًا من الأيام من مقاوم"، فلا بد للمقاوم أن يناهض كلمة الله لكي لا تمتد وتكثر في كل البيع المقدسة، فقد كان مثالًا لاحتمال المشقات، ومثالًا للقداسة مليئًا بالفضائل.

أكمل الأرشيدياكون حبيب جرجس سعيه بسلام وتنيح في ليلة عيد السيدة العذراء مريم عن عمر75عامًا، مساء يوم الثلاثاء 15 مسرى سنة 1667م للشهداء الأطهار، الموافق 21 اغسطس سنة 1951م. وتشاء إرادة الله أن تكشف لنا قداسة هذا الخادم العظيم على يد حضرة صاحب القداسة والغبطة البابا تواضروس الثاني، وآباء الكنيسة ومطارنتها وأساقفتها، حيث بعد الدراسة تقرّر الاعتراف رسميًا بقداسة الأرشيدياكون حبيب جرحس، قديسًا بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، في جلسة المجمع المقدس المنعقدة في يوم الخميس الموافق20/6/2013م، وتم وضع جسده المبارك بالكنيسة التي أنشأها وهي كنيسة السيدة العذراء مهمشة الشرابية. بركته المقدسة تكون معنا آمين.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx