اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 5028 يناير 2022 - 20 طوبه 1738 ش     العدد كـــ PDFالعدد 3-4

اخر عدد

شغل الجمع والتكويم

نيافة الانبا يوسف أسقف جنوب الولايات المتحدة الأمريكية

28 يناير 2022 - 20 طوبه 1738 ش

تحدث الكتاب المقدس في سفر الجامعة عن الخاطئ قائلًا: «أما الخاطئ فيعطيه شغل الجمع والتكويم» (جا2: 26). والحقيقة أن الانشغال بالجمع والتكويم هو أحد سمات البشر على مر العصور، فقد كان الأمر الذي سبّب الهم للغني الغبي هو التفكير بقلق: «ماذا أعمل لأن ليس لي موضع أجمع فيه أثماري؟»، والحل الذي بدا صحيحًا في عينيه كان: «أعمل هذا: أهدم مخازني وأبني أعظم وأجمع هناك جميع غلاتي وخيراتي» (لو12: 17-18). وقد أوضح السيد المسيح أن هذه الآفة لم تكن آفة هذا الرجل فقط قائلًا: «هكذا الذي يكنز (أي يجمع) لنفسه» (لو12: 21).

إن شعار الإنسان المعاصر المضطرب والفاقد الأمان هو: «وأجمع هناك لنفسي»!! إنها إحدى مناورات العقل الباطن الذي دبّ فساد الخطية فيه. فهو يخدع الإنسان مشيرًا عليه مشورة باطلة أن يتحصن وراء أسوار واهية من "مخازن الجمع والتكويم". من أجل ذلك وصف سليمان الحكيم ذلك بقوله: «هذا أيضًا باطل وقبض الريح» (جا2: 26).

لكن ما هو يا ترى الشيء الذي يجمعه الإنسان البائس إلى مخازنه؟ قد يجمع الإنسان أمورًا خارجة عنه، أو أمورًا داخله. ومن أمثلة الجمع والتكويم الخارجي تكويم المال، وتكويم الطعام، وتكويم الملابس، وتكويم المقتنيات سواء على مستوى الفرد، أو الأسرة، أو الكنيسة؛ سواء عن طريق اقتناء المزيد أو التمسك بالموجود دون العطاء والتوزيع منه. وخير شاهد على ذلك صناديق القمامة التي تكتظ بالأطعمة التي فسدت من بعد تخزين طويل، وخزانات الملابس المكتظة بملابس أكلها العث، وأرفف الكتب المشحونة بكتب لم يمسها أصبع وجميعها شاهد عيان على بؤس إنسان يحاول مداراة عريه بأوراق من تين!!

أما أمثلة الجمع والتكويم الداخلي فهي تكويم الشحوم في الجسم بالإفراط في الطعام، وجمع وتكويم الألقاب والشهادات العلمية والكرامات والأمجاد الذاتية، وتكديس العقل بالفلسفات عديمة النفع والمباحثات الغبية وأفكار التعالي والحماقات، وتكديس مخازن القلب والنفس بالأهواء والشهوات والضغائن والأحقاد.

ولمعرفة السيد المسيح بالأضرار الروحية والنفسية بل وحتى البدنية لهذا الهم الخبيث لفت انتباهنا إلى أن طيور السماء: «لا تجمع إلى مخازن» (مت6: 26). وعندما علّمنا الصلاة الربانية علمنا أن نصلي قائلين: «خبزنا كفافنا أعطنا اليوم» (مت6: 11). كما أنه عندما أرسل التلاميذ والرسل أوصاهم ألا ينشغلوا بتكويم المأكل والملبس والأحذية والذهب والفضة في مناطقهم أو أكياسهم (مت10: 9-10؛ لو10: 4).  أما في العهد القديم فقد نهى الرب شعب بني إسرائيل عن تكويم المن قائلًا: «فيخرج الشعب ويلتقطون حاجة اليوم بيومها... كل واحد على حسب أكله... لا يُبقِ أحد منه إلى الصباح» (خر16: 4، 18-19).

إن شغل الجمع والتكويم هو عَرَض لأمراض ضعف الإيمان، والاتكال على النفس، والاحتماء بأباطيل هذا العالم وحصونه الواهية. وأكثر ما يضرّ الراهب أن ينشغل بالجمع والتكويم والتكديس. لذا هو يترك، ويتجرد، ويُخلي أولًا بأول سواء قلايته أو إنسانه الداخلي. وينطبق ذلك ليس على الراهب فقط بل على الدير، والكنيسة أيضًا. ففي ملكوت السموات لا يوجد موضع لا لمخازن، ولا لأهراء، ولا لصوامع بل هناك فقط يسوع المسيح المذخر فيه جميع كنوز الحكمة والعلم، والشبع، والحب!!




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx