اسم المستخدم

 

كلمة المرور

 

    
 
بحث
اللغه
select
السة 5029 يوليه 2022 - 22 أبيب 1738 ش     العدد كـــ PDFالعدد 27-28

اخر عدد

كل واحد إلى مدينته

نيافة الانبا يوسف أسقف جنوب الولايات المتحدة الأمريكية

29 يوليه 2022 - 22 أبيب 1738 ش

قبيل ميلاد السيد المسيح، أصدر أوغسطس قيصر أمرًا أن يُكتَتَب كل المسكونة. وهذا الأمر اقتضى أن يعود كل شخص إلى موطنه الأصلي الذي وُلد فيه وينتمي إليه لكي يُكتَتَب هناك. ومن المعروف جيدًا أن الله وضع ذلك الأمر في قلب القيصر لكي يُضطر يوسف النجار والسيدة العذراء إلى الذهاب إلى بيت لحم ليُكتتبوا هناك لكون يوسف من بيت داود وعشيرته، وبالتالي يُولد السيد المسيح في بيت لحم بحسب النبوات.

بالإضافة إلى الجانب التاريخي لحدث الاكتتاب هذا وارتباطه بالنبوات عن ميلاد المسيا، يوجد جانب آخر روحاني عميق لا بد أن نتأمله. الاكتتاب يعني تحديد الموضع الذي ينتمي إليه كل شخص بشكل موثّق. ولا بد أن يكون هذا الموضع هو مكان البيت والعشيرة: «لكونه من بيت داود وعشيرته» (لو2: 4). وقد اقتضى الأمر أن تُكتتب كل المسكونة قبل ميلاد المخلص. يعني ذلك على المستوى الروحي الشخصي أنه لن يولد وينبثق نور المسيح في إنساننا الداخلي ما لم نُكتتب روحيًا أولًا. ولكن ما هو الاكتتاب الروحي؟

من أصعب الضربات المضروب بها الإنسان اليوم ذوبان وتشتُّت هويته الروحية، وليس فقط هويته الروحية بل وحتى هويته الاجتماعية والجنسية. فإنسان اليوم تائه عن كينونته، وغائب عن هويته، ومغترب عن ذاته الحقيقية بكل مجدها الداخلي. إنسان اليوم لا يعرف ولا يعي إلى أي روح ينتمي. نحن لا نُدعى مسيحيين على سبيل التصنيف بل المسيح هويتنا، ومحور كينونتنا، ونَفَس أنوفنا الذي به نحيا ونتحرك ونوجد. غياب هذه الحقيقة الجوهرية عن وعي الإنسان هي أصل كل سقوط وضياع، والسبب الحقيقي الكامن وراء كل المشاكل الفردية والزوجية والأسرية والعلاقاتية التي أغرقت بيوتنا وكنائسنا ومجتمعاتنا المسيحية. فكل من ضلّ في متاهة الذات، والخلاعة، والطمع، والإدمان وما إلى ذلك من كل أعمال الإنسان العتيق الفاسد، لا بد وأن يكون مغُيبًا تمامًا عن "موضع اكتتابه". من أجل ذلك كان السيد المسيح صارمًا مع تلميذيه يعقوب ويوحنا عندما غابت عن وعيهما هويتهما الحقيقية فالتفت إليهما وانتهرهما قائلًا: «لستما تعلمان من أي روح أنتما» (لو9: 55). لقد فعل الرب ذلك لكي ينبّه الإنسان إلى ضرورة  صعود قلبه باستمرار إلى "موضع اكتتابه"، لكي يتذكر كل حين "إلى أي روح ينتمي". انظروا كيف ينبهنا قائلًا: «لو كنتم من العالم لكان العالم يحب خاصته. ولكن لأنكم لستم من العالم بل أنا اخترتكم من العالم لذلك يبغضكم العالم» (يو15: 195). وهوذا بولس الرسول يؤكد تلك الحقيقة قائلًا: «لأننا أيضًا ذريته» (أع17: 28).

وتذكُّر "موضع اكتتابنا" لا يكون فقط سبب حمايتنا من السقوط والضلال في غياهب الظلام، بل أيضًا سر فرحنا الروحي وتعزيتنا: «بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كُتبت في السموات» (يو10: 20). نعم، السموات هي موضع اكتتابنا الحقيقي!! فلنصعد إذًا جميعنا "كل واحد إلى مدينته"، ونطلب كل ما هو فوق حيث المسيح مُشتهى قلوبنا جالس!!




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق  
موضوع التعليق  

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx