اسم المستخدم

كلمة المرور

    
 
بحث
اللغه
select
السة 5026 أغسطس 2022 - 20 مسرى 1738 ش     العدد كـــ PDFالعدد 31-32

اخر عدد

لمحة مبسطة عن تكريم والدة الإله في الكنيسة في القرون الأولى

القس غريغوريوس رشيدي

26 أغسطس 2022 - 20 مسرى 1738 ش

بادئ ذي بدء نقول إن الأناجيل المقدسة لم تذكر لنا شيئًا عن ميلاد العذراء أو أبويها أو تفاصيل حياتها سواء طفولتها أو بعد أن أخذها يوحنا إلى بيته، أو نياحتها. يوجد فقط بعض المعلومات البسيطة وكلها تدور حول دورها في التجسد الإلهي وعلاقتها بالسيد المسيح. لكننا نستطيع أن نقول إنه بحلول نهاية القرن الأول قد بدأ تشكيل التكريم لوالدة الإله، وبدأت القديسة مريم تظهر كشخصية ذات مغزى عقائدي، حيث تكلم إغناطيوس الأنطاكي، ويوستين الشهيد، وإيرينيوس... الخ، في موضوعات شتى، مثل الدفاع عن دوام بتوليتها، تلقيبها بوالدة الإله وعلى أنها حواء الجديدة، وعاشت هذه المقارنة مع حواء في كثير من القطع الليتورجية (على سبيل المثال ثيؤطوكية الاثنين)، وجاء القرن الرابع -وهو العصر الذهبي لكتابات الآباء– الذي نجد فيه الكثير عن القديسة مريم، بدايةً بالبابا أثناسيوس الرسولي، إبيفانيوس، مار أفرآم... الخ، وعندنا كذلك من القرون الأولى ذكر لشفاعة العذراء بواسطة غريغوريوس النيزنيزي، ويعطينا غريغوريوس النيصي شهادة عن ظهورها هي ويوحنا الرسول لغريغوريوس العجايبي، وبذا تكون أول إشارة في تاريخ الكنيسة عن ظهور العذراء.

أمّا عن تكريم القديسة مريم من خلال الاحتفال بها، فبالتأكيد كان هناك الكثير من التقاليد القديمة المنتشرة في تاريخ الكنيسة المبكر بين المؤمنين عنها، وقد تبنت الكنيسة منذ عصر مبكر بعضًا منها، وجعلتها أساسًا لبعض مظاهر تكريم العذراء وخصوصًا أعيادها، وكان معيار الحكم عليها هو الكنيسة نفسها، فما تبنّته الكنيسة وأضافته الى ليتورجياتها فهو صحيح وخصوصًا أن الأعياد تركّز على المعنى التقوي والعقائدي للحدث بصرف النظر عن التحقيق التاريخي ولنا في عيد الميلاد أقوى الأمثلة. فالأصل هو الإيمان بالمسيح الله الظاهر في الجسد وأمه التي هي بحق "والدة الإله"، ثم نتيجة لهذا الإيمان كان التعبير التقوي من المؤمنيين على تكريم العذراء، ثم جاءت الكنيسة وقنّنت هذا التكريم طالما يتفق مع الكتاب والإيمان ورفضت ماهو ضد أو به مغالاة ولنا دليل من آباء الكنيسة هو إبيفانيوس اسقف سلاميس، الذي بحسب شهادته في عمله الشهير Panarion، أنه كانت هناك مجموعتان على طرفي نقيض في إكرام القديسة مريم: الأولى كانت ضد أكرامها وتُسمى Antidicomarianties، وقد أنكرت دوام بتولية القديسة مريم، وقالت إنها قد تزوجت بعد ذلك من يوسف النجار، وقد كتب ضدها في فصل 78. وعلى النقيض، كان هناك مجموعة متطرفة مؤيدة للقديسة مريم، تُعرف باسم collyridians (κολλυριδας = كعك)، وهي مجموعة تتألّف في الغالب من النساء اللواتي عبدن مريم على أنها "إلهة"، وكن يقدمن لها العبادة ثم يتناولن كعكات صغيرة، وكان لهن كهنوت نسائي، وكتب ضدها أيضًا في فصل 79. هاتان المجموعتان كانتا متواجدتين في شبه الجزيرة العربية، وقد كتب إبيفانيوس مهاجمًا المجموعتين في عمله السابق قائلًا: "لأن المرء يستخف بالقديسة العذراء والآخر بدوره يمجدها إلى الإفراط، وكلاهما على خطأ، لإن المتطرفون متساوون"، وما ذكره إبيفانوس هنا، بالرغم من رفض الكنيسة الجامعة لتلك الفرقتين، يدلنا ليس فقط على وجود أعياد واحتفالات لتكريم القديسة مريم بين الشعب، بل أن بعضها قاد إلى مشكلات وهرطقات واجهتها الكنيسة حينذاك.

في المقابل عندنا شهادات كثيرة عن إكرام الكنيسة لها، فعلى سبيل المثال: شهادة القديس أثناسيوس عن أنه يجب ان نحفظ تذكار "والدة الإله"، وذلك في رسالته إلى إبكتيتوس 4: "لأنه لو كان الكلمة (أى لاهوت الابن) من نفس جوهر الجسد، فإن ذكر مريم وضرورتها يكونان أمرين لا لزوم لهما"، ونفس الكلام كرره في رسالته إلى مكسيموس الفيلسوف. وفي القرن الرابع، في زمن القديس كيرلس الأورشليمي قدمت لنا السائحة إيجيريا وصفًا لما يحدث في كنيسة أورشليم في الاحتفال بعيد دخول المسيح الهيكل والذي يُسمى Hypapante "لقاء" المسيح بسمعان الشيخ وحنه النبية، ودُعي بعد ذلك في الغرب بعيد تطهير العذراء مريم، وبحسب وصف إيجيريا فهذا العيد كان يُحتفل به بعد أربعين يومًا من الغطاس، وبالرغم من أنه عيد كريستولوجي بشكل أساسي، إلّا أنه كان مناسبة لتكريم العذراء. وشهادة أخرى تأتينا من بداية الصراع النسطوري، فقد ألقى بروكلوس عظةً في وجود نسطور نفسة حوالي 430م في كنيسة القسطنطنية مدافعًا عن اللقب "ثيؤطوكوس"، ذاكرًا العيد الخاص بالعذراء والذي كان يُحتفل به في ذلك الوقت، وربما كان يقصد اليوم التالي لعيد الميلاد والذي كان مكرسًا لتكريم والدة الإله أو الأحد السابق لعيد الميلاد. ومن القرن الخامس تأتينا واحدة من أقدم الشهادات، من القطمارس الأرمني، عن عيد للسيدة العذراء "الثيؤطوكوس"، بدأ في اورشليم وحُدِّد للاحتفال به يوم 15 أغسطس، ولهذا العيد مكانة مهمة في القرون الأولى، هذا بالإضافة لعيد البشارة وعيد ميلادها، ففي القرن الرابع شيدت هيلانه كنيسة باسم ميلاد العذراء. في النهاية تستطيع أن نقول إن تكريم والدة الإله قد بدأ منذ عصر مبكر جدًا، وتطور ونما في القرون الخمسة الأولى، وكان هناك أعياد لتكريمها ما زالت -هي وغيرها- لها مكانتها بين الكنائس في الشرق والغرب.




  • تقييم المقال
     
  • مقالات اخري للمولف
  • |
  • طباعه


سياسه التعليقات

اضف تعليقا


عنوان التعليق
موضوع التعليق

2012 © Site developed and maintained by PSDWorx